فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى 5: 16)
آخر الأخبار

شفيع الكنيسة

القديس مار أفرام السرياني ولد من أبوين مسيحيين في مطلع القرن الرابع للميلاد . وتتلمذ على يد مار يعقوب أسقف نصيبين و اعتمد على يديه و هو ابن ثماني عشرة سنة فأحبه هذا كثيراً و اتخذه تلميذاً و كاتباً في آن واحد و رسمه شماساً وألبسه الثوب الرهباني .  استلم مدرسة نصيبين بعد وفاة مار يعقوب وفيها نظم القصائد البديعة و الأناشيد الشجية التي تعرف بالنصيبينية وتعدّ صوراً رائعة لحياة ذلك العصر في تلك المنطقة ففيها يصف ما قاسته مدينته في الحصارات و الحروب . وكانت اللغة السريانية لغة التدريس الرسمية في مدرسة نصيبين حيث كانت نصيبين في القرن الرابع مدينة سريانية قلباً و قالباً لغة و حضارة . لم تكن الرهبانية لديه تصرفاً و انقطاعاً عن العالم وصوماً و صلاةً فحسب بل كانت أيضاً خدمةً للإنسانية و وسيلة لحفظ التراث القومي لذلك جعل من الأديرة مركزاً مهماً للعلم و المعرفة حيث ازدهرت العلوم و الآداب . و يعتبر مار أفرام أوّل من فسّر الكتاب المقدس عند السريان .

ألّف في الرها أوّل جوقة ترتيل (كورال) من الفتيات السريانيات اللواتي علمهن ما ابتكره أو ما كان يقتبسه من الأنغام الموسيقية و ما نظمه من القصائد الروحية و التراتيل الشجية التي ضمنها القصائد الدينية صورة الإيمان المستقيم فإلى مار أفرام يعود الفضل في تنظيم الحياة الطقسية في الكنيسة السريانية و بتأليف الجوقات الكنسية .

وتوفي عام 373م بمرض الطاعون . برز مار أفرام في ميادين الإبداع الأدبي كما كان بارعاً في التفسير و اللاهوت الخلقي و الأدبي و الوعظ و مثالاً يقتدى بالزهد و النثر و الشعر .

عرف البحر السباعي باسمه حتى اليوم و يقال أن أبيات شعره بلغت ثلاثة ملايين . تناول بشعره شتى المواضيع الدينية العقائدية منها و الروحية . كما نظم الشعر أيضاً على البحر الخماسي و الثماني و الإثني عشري و هناك العديد من قصائده و مداريشه تختلف الأوزان في البيت الواحد منها حسب اللحن حيث أنه برع في فن الموسيقى أيضاً .

لم يعتمد مار أفرام القافية في نظمه لأن السريان لم يدخلوها في شعرهم حتى صدر القرن التاسع عشر متأثرين في ذلك بالعرب .
و مار أفرام كشاعر له أسلوبه و خصائصه في شرح المعاني و التعبير و غزارة المعاني في قلّة اللفظ و الإيحاء كما أنه سخر أعداء الحقيقة لكشف الحقيقة (قصائده النصيبينية) و جابه الملحدين بنفس الطريقة . يقول ثتودوريط : إنّ الأسلوب الذي استخدمه مار أفرام في الحفلات البديعة قد زادها رونقاً وبهاءً .
و يؤيد ذلك أن آباء اليونان و اللاتين أنفسهم نقلوا أوزانهم الشعرية الدينية عن مار أفرام السرياني و في وسعنا أن نقرر بأن الأناشيد الطقسية الموزونة بما أدمج فيها من روعة و أبهة قد اقتبست عن مار أفرام و عنه نقلها (يوحنا فم الذهب) إلى قسطنطينية و مار أمبرسيوس (333ـ397) إلى ميلان و منها ذاعت في الأقطار الإيطالية .

و يعتبر مار أفرام أوّل من ابتكر فن موسيقى البديعة و عنه نقلها اليونان و اللاتين معاً . ـ كما أنه نظم أناشيد سمّيت باسم المداريش وصف فيها الفردوس و هي خمسة عشر مدراشاً يتضمن كل منها عدّة أدوار (من أحد عشر إلى واحد و ثلاثين ) على أسلوب الموشحات و في كل دور اثنا عشر بيتاً مخمس المقاطع إلا البيت الثامن فهو ذو مقطعين و ذلك في سبيل التخلص من النغمة الرتيبة . أما التقفية فازدواجية أي أن كل بيتين على قافية واحدة كامعهود في كل الشعر الأوروبي و لكل مدراش لازمة يعود إليها المرتل بعد كل دور و تتضمن ابتهالاً أو تضرعاً أو دعاءً أو تمجيداً للخالق و لاشك في أن هذا الأسلوب وإن يكن أبسط تأنقاً في الصناعة النظمية و أقل تكلفاً في الإخراج اللفظي من الأناشيد اليونانية إلا أنه أقرب إلى عقلية الشعب و أتبع الأناشيد النظمية في الترتيل الجمهوري يتحدث عنه آرثر فوبس في كتابه (تاريخ مدينة نصيبين) كيف أثارت أوّل جامعة مسيحية الحوفز لانطلاقات التعليم في أوروبا .
أما مار يعقوب السروجي فيقول أنه كان مؤلفاً فصيحاً بليغاً فاق أئمة اليونان بتصانيفه إذ حصر في ألفاظ وجيزة معاني كثيرة بل هو أفصح علماء السريان و أنبغهم دون جدال وعنه اقتبس أولئك ما اقتبسوه من العلوم و المعارف و الفنون .
كما يقول أن النساء في عهده أصبحن يترنمن بأهازيج حتى أطلق عليهن في الأندية لقب المعلمات الحاذقات . إنه عالم جيد تساوى فيه الرجال و النساء معاً .

في الساعات الأخيرة من حياته وفي لحظة احتضاره الرهيبة أملى على تلاميذه وصيته الأخيرة شعراً .
وقال ما خلاصته :
يا أيّها الرهاويون إني مار أفرام مائت لامحالة فأستحلفكم بكل احترام أن لا تدفنوني في بيت الله تعالى و لا تحت المذبح إذ لا يليق بجسد يرعاه الدود أن يرقد في هيكل مقدس , ادفنوني ثوبي و قبعي الرهباني شيعوني بصلواتكم وترانيمكم و بتقريب الأذبحة المقدسة مراراً جمة تكفيراً عن أشقائي , إن مار أفرام لم يقتن دراهم و لا عصاً ولا كيساً و لم يملك ذهباً و لا فضة . ارسخوا في تعليمي وكملوا وصاياي بأمانة واثبتوا دائماً في الإيمان . احذروا الهراطقة الملحدين خصوم إيماننا فعلة الإثم الذين يأتونكم بكلمات معسولة فاسدة ولتكن مباركة الرها مدينة الحكماء و حاضرتهم .

أهم مؤلفاته :
ـ شرح وتفسير الكتاب المقدس (بقي منه فقط سفر التكوين و جزء من سفر الخروج) .
ـ تفسيره لرسائل بولس الرسول .
ـ أرسل خطابين الأول إلى دمنوس في نقض الهراطقة و الثاني إلى هيباتيوس رداً على مرقيون و برديصان وماني , ورسالة بعث بها إلى الرهبان ساكني الجبال ـ مجموعة قوانين في الرهبنة .
ـ ألف القصص .
ـ نظم الشعر على البحر السباعي خاصة وتناول شتى المواضيع الدينية و العقائدية و الروحية .
ـ نظم المداريش .
ـ نقل مؤلفاته إلى لغات شتى منها اليونانية و لغة الضاد و الإنكليزية و الفرنسية و الألمانية و الإيطالية .

أقواله المأثورة :
ـ أقتن الذهب بمقدار أما العلم فاكتسبه بلا حد لأن الذهب يكثر الآفات أما العلم فيورث الراحة و النعيم .
ـ إن الحكمة أفضل من الزينة و العلم خير من الأموال وفتىً حدثاً حكيماً خير من ملك جاهل .
ـ من يملك ذهباً خالصاً لا يخشى امتحانه بانار .
ـ ليس بكثرة البنين تكون الحياة للآباء .
ومن قصائده نورد قصيدة في وصفه للحياة في الفردوس :
ومن تمنع في حكمته شرب الخمر … تزدحم حوله جفنات الفردوس … وكل منها تقدم له عناقيدها … وإذا كان حافظاً بتوليته … تدخله أحشائها الطاهرة … لأنه بتنسكه … لم يسقط في حشا … ولا في فراش زوجي … فهم في سعادة دائمة و غبطة خالدة وسلام مستقر … لا يعمل منهم أحد , إذ لا يجوع هناك …. ولا يشعر بالحياء أحد , إذ لا خطيئة هناك … لايندم منهم أحد , فلا عقوبة هناك … ولا يشيخ منهم أحد , إذ لا يموت هناك … ولا يقبر أحد , إذ لا ولادة هناك …. لا هم يساورهم , ولا ألم يزعجهم … لا رعب يقلقهم , إذ لا مكايد هناك … ليس لهم أعداء , وقد ختم على العراك … في الأرض العراك وفي الفردوس إكليل المجد .

التعليقات مغلقة