فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى 5: 16)
آخر الأخبار

عيد الشعانين ـ بقلم قداسة سيدنا البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى

القراءات:
قراءة من سفر التكوين: (1: 1ـ 5).
قراءة من نبوءة إرميا النبي (4: 1ـ 14).
من أعمال الرسل الأطهار (7: 30ـ 36).
من رسالة مار بولس الرسول إلى أهل رومية (10: 5ـ 21).
إنجيل المساء بحسب البشير لوقا (19: 28ـ 40).
إنجيل الصباح بحسب البشير مرقس (11: 1ـ 11).
إنجيل القداس بحسب الرسول يوحنا (12: 12ـ 19).
طقس تبريك أغصان الزيتون الإنجيل المقدس بحسب الرسول متى (21: 1ـ 22).

«هذا كله كان ليتم ما قيل بالنبي القائل قولوا لابنة صهيون هوذا مليكك يأتيك متواضعا راكبا على جحش ابن آتان» (مت 21: 1 ـ 17)

كان شعب النظام القديم رازحاً سياسياً تحت نير استعمار الرومان، كما كان خاضعاً روحياً لإبليس اللعين. وكان ذلك الشعب متمسكاً بالحرف دون الروح، والحرف يقتل كما يقول الكتاب، أما الروح فهي التي تحيي. كانوا يعتقدون أنهم قد نالوا الخلاص وصاروا أتباعاً لله لأنهم أبناء إبراهيم، والرب يسوع بعد أن سمعهم يفتخرون قائلين: «أبونا هو إبراهيم» وقد وبخهم الرب قائلاً لهم «لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم… أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا» (يو 8: 39 ـ 44). ووضح لهم لماذا كانوا قد اختاروا إبليس أباً لهم، لأنهم يفعلون أعمال إبليس ويتممون مشيئة إبليس ولذلك عندما جاء المسيح يسوع لخلاصهم لم يعرفوا زمن افتقادهم، ونسوا النبوات التي قيلت عنه وتمت فيه بحذافيرها، ولهذا ابتعدوا عن جادة الحق ولم يعترفوا به مسيحاً مخلصاً وقد قال عنه النبي زكريا «هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن آتان».

دخل أورشليم راكبا على جحش ابن آتان لم يدخلها كما دخلها الغزاة والفاتحون، لم يدخلها إلا بسلام ومحبة، دخلها والأطفال يمجدونه وقد أخذوا بأيديهم سعف النخيل وأغصان الزيتون علامة الاستقامة والرحمة والحنان، وهتفوا قائلين: (آوشعنا) مبارك الآتي بسم الرب أوشعنا لأبن داود. ولفظة أوشعنا بلغتهم الآرامية السريانية التي كان الشعب عصرئذ يتكلّمها معناها يا رب خلص. إنهم يطلبون الخلاص، ولكنهم لايعلمون أي خلاص يطلبون ظنوا أن المخلص يأتي لينقذهم من استعمار الرومان، ولم يعلموا أن المخلص سيخلصهم بالفداء التام من طغيان إبليس، لذلك ابتعدوا عن الحق.

كان الرب قد جال بينهم ثلاث سنوات ونصف السنة يصنع خيراً كما قال عنه الكتاب: وقد اجترح معجزات باهرات، كانت آخر معجزة منها قبل دخوله أورشليم إقامة ألعازر من بين الأموات، فكان الأتقياء من اليهود الذين كانوا ينتظرون مجيء ماشيحا كما يقول الكتاب يتساءلون؟ يا ترى هل يأتي إلى العيد، نريد أن نرى النبي الذي أقام ألعازر من بين الأموات بعد موته ودفنته بأربعة أيام، بل أرادوا أن يروا ألعازر أيضاً، ولم يعرفوا أن الله قد هيأ أن يدخل المخلص إلى تلك المدينة في ذلك اليوم المشهود في العاشر من نيسان الذي وقع في تلك السنة في يوم الأحد اليوم الذي كانت تقدم فيه حملان الفصح إلى الكهنة في أورشليم، لكي يقرروا فيما إن كانت صالحة لتقدم في الرابع عشر من نيسان عيد الفصح اليهودي ذكرى خلاص أبكارهم من الهلاك حيث كان الملاك المهلك يرى علامة الدم على دورهم فيعبر ولا يهلك أبكارهم، ومن هنا جاءت لفظة الفصح أي العبور. كما كان ذلك العيد ذكرى خلاص شعب موسى من نير العبودية في مصر، وكان خروف الفصح رمزا إلى المسيح بالذات لذلك كان لابد أن يأتي المسيح إلى أورشليم في ذلك اليوم لكي يقرر الكهنة فيما إذا كان يصلح للذبح كسائر خراف الفصح وهكذا كان حيث قال عنه رئيس الكهنة أنه الأفضل أن يموت واحد عن الأمة ولا يهلك الشعب كله والرسول بولس يقول: «فصحنا هو المسيح».

رأينا موكبه موكباً يختلف عن مواكب من دخل أورشليم قبله من الفاتحين والأنبياء والكهنة، لأنه فيه أظهر وظائفه السماوية، فهو كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق، وهو الذبيحة الإلهية في آن واحد، وهو الملك الذي بشر به الأنبياء بأنه مليك يأتي إلى صهيون، ولكن يأتي متواضعاً كما قال زكريا النبي واستشهد بقوله الإنجيليون وخاصة متى، واعتبر دخول الرب إلى أورشليم إتماماً لنبوة زكريا القائل «قولوا لابنة صهيون هوذا مليكك يأتي متواضعاً راكباً على جحش ابن آتان». كما أنه في دخوله أورشليم كمل وظيفته النبوية إذ بكى على المدينة وتنبأ على خرابها وهدم هيكلها وإبادة شعبها، وبهذا أظهر لنا أنه رب الأنبياء، وملك الملوك، الحبر الأعظم الذي قدم نفسه فدية عن الخراف.

كان موكبه موكباً متواضعاً، بدء من بيت عنيا حيث كان قد أقام إلعازر من بين الأموات واتجه نحو أورشليم، عندما وصل بيت فاجي أمر بطرس ويوحنا أن يذهبا إلى القرية التي كانت مقابلهما هناك قال لهما الرب تجدان جحشا وآتاناً تحلانهما إن قيل لكما ماذا تفعلان قولا أن الرب محتاج إليهما ويعيدهما بعدئذ. هكذا فعل التلميذان ثم وضعا كما وضع سائر التلاميذ ثيابهم على الآتان أولاً ثم على الجحش، وهتف التلاميذ وتبعهم جمهور غفير قائلين (آوشعنا) مبارك الآتي باسم الرب يا ابن داود خلص أوشعنا يا رب أنقذ وقد وردت هذه العبارة في سفر المزامير مرات عديدة، وكان الشعب بحاجة إلى أن يهتف بها في ذلك اليوم البهيج، لأنه كان بحاجة إلى الخلاص فإذا ظن أنه بحاجة إلى خلاص سياسي، فالمسيح يعرف أنهم كانوا بحاجة إلى خلاص روحي لينالوا الفداء بذلك الذي صنع المعجزات، ليكون هو ذبيحة عن الخطاة، دخل الرب إلى أورشليم، والجمهور استقبله بفرح عظيم دخل الهيكل وطهّر بسلطانه الإلهي ممن كانوا يتاجرون فيه نادى قائلاً: «بيتي بيت صلاة يدعى أما أنتم فقد جعلتموه مغارة للصوص». فتح أعين العميان في الهيكل، في ذلك اليوم شدد ركب العرج والمسترخين، نادى بيتي بيت صلاة. رأى أن البيت بكل ما فيه من رونق وجمال قد انقلب إلى مكان تجارة، لذلك أراد أن يعود إلى ما كان إليه يوم شيِّد ليكون لعبادة الله وتمجيده. الفريسيون والكتبة يقولون له يا معلم أسكت تلاميذك، يقول لهم: «لئن سكت هؤلاء فالحجارة تنطق». وذكرهم بنبوة داود القائلة «من أفواه الأطفال والرضع هيأت تسبيحاً» ولم يكمل الآية القائلة «لتسكيت عدو ومنتقم» فأن الأطفال والرضع الذين نطقوا بقوة الروح القدس في ذلك الحين، إنما أرادوا أن يعلنوا للشعب كله أن يسوع الذي دخل أورشليم متواضعاً قد انتظرته الأجيال ليملك على آل إسرائيل إلى الأبد. كما كان قد بشر الملاك والدته عندما حبل به فيها من الروح القدس.

ترك يسوع المدينة عائداً إلى بيت عنيا وفي اليوم التالي جاء ليتأمل التينة التي كانت أوراقها خضراء، ولكنها لم تحمل ثمراً وهي تمثل تلك الأمة التي ولئن ظهرت زاهية بكل تقاليدها، ولكنها كانت قد تركت الرب فجاءها من ينادي «اصنعوا ثماراً تليق بالتوبة». وهذا درس خالد لنا في هذا اليوم ألا نظهر فقط بكل هذه المظاهر، مظاهر البهجة في عيد كهذا بل أن نحتفل بالتوبة أي بالعودة إلى الله، ألا نكون كالتينة أوراقنا خضراء ولكن لا تحمل شجرتنا ثمراً طيباً كما يريده منا الرب يسوع.

بعيد الشعانين هذا أيها الأحباء ونحن نبتهج بأطفالنا، الأطفال والرضع نريدهم أن يكونوا كنارات للروح القدس لا فقط بالترتيل والترنيم والتهليل وقول الأوشعنا لابن داود مبارك الآتي بسم الرب، بل أيضاً بالأعمال الصالحة لنهتم بتنشئتهم التنشئة المسيحية الصالحة لينموا بالنعمة والقامة لدى الله والناس كي يصنعوا ثماراً تليق بالتوبة، ولكي يستحقوا في اليوم الأخير أن يستقبلوا المسيح يسوع لا في أورشليم الأرضية، بل في أورشليم السماوية يوم يأتي ثانية لدينونة العالمين ليكونوا في عداد الصالحين الحالة التي أتمناها لي ولكم بنعمته تعالى آمين.

نقلا عن موقع بطريركيتنا الجليلة

724 زيارات

التعليقات مغلقة