فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى 5: 16)
آخر الأخبار

النهيرة ـ بقلم قداسة سيدنا البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص

«أما المستعدات فدخلن معه إلى العرس» (متى 25)

إنه العرس السماوي الذي لا يستحق أن يشترك فيه إلا المستعدون روحياَ. إنه العرس السماوي الذي تٌزَف فيه الكنيسة المقدسة إلى عريسها المسيح يسوع ربنا في نهاية الدهر.

ملكوت الله على الأرض، المؤسسة الروحية التي أنشأها الرب يسوع على أرضنا هذه، وهي كنيسته المقدسة المؤسسة على الإيمان به أنه ابن الله الحي وجعل منها سلّماً نصعد عليها إلى ملكوت الله في السماء. وهذه الكنيسة هي مستودع الأسرار الإلهية، والنعم السّماوية وهي الوالدة والمربية والمعلّمة التي تأخذ ابن الهلاك فتلده ثانيةً من جرن المعمودية ليصير ابن السماء، وليرشّح لملكوت الله في السماء.

ضرب الرب أمثالاً عديدة ليكشف لنا أموراً سرّية عن هذا الملكوت في الأرض، كما أنه بأمثاله كان واقعياً، فملكوت الله شبكة تطرح في البحر تصطاد أسماكاً عديدة كبيرة وصغيرة، جيّدة ورديئة، وهو حقل زرع به الرب بذوراً جيدة، ولكن جاء الذين أخبروه قائلين: أن هناك زؤاناً ينبت مع الحنطة الجيدة، وسألوه قائلين: هل نقلع الزوان؟ أجابهم: كلا.. بل دعوهما ينموان معاً إلى يوم الحصاد لئلاّ تقلعوا الحنطة مع الزوان وأنتم تجمعونه. هذه كنيسة الله، العديد من الناس ولئن كانوا قد ولدوا فيها من جرن المعمودية، ولئن يسمون مسيحيين أيضاً، ولئن يأخذ كل منهم نعمة عظيمة من الروح القدس، ولكن لا يثبت الجميع إلى النهاية أي إلى يوم الحصاد. ففي الكنيسة أبرار، وفيها أشرار، فيها الصالحون، وفيها الطالحون الفئتان تنموان معاً إلى يوم الحصاد. فحين جاء الرب يسوع في مجيئه الأول لفداء البشرية ومات لأجل خلاصها، أسس هذا الملكوت على الأرض وسلّمنا الإيمان به، وأنعم علينا أن ندعى باسمه «مسيحيين»، وأن نولد بالنعمة من فوق، من السماء وأن نرشّح كأبناء لله بالنعمة لنرث ملكوته السماوي.

جاء إلى أرضنا وأنهى تدابيره الإلهية، وصعد إلى أبيه السماوي. ويوم صعوده كان الرسل شاخصين إليه بأنظارهم وهو صاعد إلى السماء وأخفته سحابة بيضاء عنهم، اثنان من الملائكة وقفا بهم وقالا لهم: «ما بالكم أيها الرجال الجليليون تتطلّعون إلى السماء إن يسوع هذا الذي ذهب عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه ذاهباً إلى السماء»، هذه العقيدة كان الرب قد سلّمها إلى تلاميذه، والتلاميذ سلّموها إلى الكنيسة. إذاً سيأتي ثانيةً ليأخذنا إلى ملكوته السماوي بعد أن نكون قد جاهدنا الجهاد الحسن وأكملنا السعي وحفظنا الإيمان في ملكوته على الأرض أي كنيسته المقدسة، فإذا كنّا في ملكوته على الأرض أعضاء حيّة، تستحق أن تكون أرواحنا حجارة حيّة في ملكوته السماوي.

في مجيء الرب ثانيةً كما نصّ قانون مجمعَي نيقية وقسطنطينيّة أنه سيأتي ليدين الأحياء والأموات، جاء أولاً لفدائنا فكان مجيئه مجيء رحمة وحنان وخلاص من أعدائنا بدمه الثمين. ولكن في مجيئه الثاني سيأتي ليدين الأحياء والأموات. وقد أوصانا أن نسهر لأننا لا نعلم متى يأتي الرب: «اسهروا إذن لأنكم لا تعلمون متى يأتي ربّكم، واعلموا هذا أنه لو عرف رب البيت في أي ساعة يأتي السارق، لسهر ولم يدع بيته ينقب».

علّم الرسل تلاميذهم هذه الحقيقة الإيمانية وعلّم هؤلاء المؤمنين كافةً أن المسيح سيأتي ثانيةً. وكانوا يحيّون بعضهم بالعبارة السريانية الآرامية «ماران آثا»، العبارة التي تعني أن الرب قد جاء وهو آتٍ، أي لقد جاء الرب وسيأتي ثانيةً. وكان الرسل يظنون أن المسيح سيأتي سريعاً لأننا لا نعلم متى يأتي، ولذلك كانوا ينتظرونه في كل لحظة من لحظات حياتهم مستعدّين لاستقباله، وكانوا يذكرون هذه الحقيقة ومازلنا نذكرها عندما نحتفل بالقداس الإلهي منتظرين مجيئه الثاني، بعد أن نكون قد اعترفنا بمجيئه الأول للخلاص، وبموته من أجلنا، وبقيامته من بين الأموات. وعند منتهى الدهر يبدأ عهد ملكوته السماوي، ملكوته الذي نطلب دائماً في صلاتنا الربانية بقولنا: «ليأتِ ملكوتك» هو الملكوت السماوي.

ضرب لنا الرب مثلاً عن ذلك، مثل العذارى، الخمس الحكيمات والخمس الجاهلات. لا عبرة في العدد، فليس هناك مساواة في العدد بين الذين سيدخلون ملكوت الله وبين الذين سيطردون من الملكوت، ولكن هناك الكيفيّة. أي الذين يكونون مستعدين لمجيء الرب يسوع بشوق وتوق، الذين يكونون قد أخذوا الإيمان الصوري، وقارنوه بالإيمان الحي، فنحن نؤمن كما علّمتنا الكنيسة بقانون الإيمان وبعقائدها السمحة، هذا جيّد جداً وضروري لكل مسيحي، ولكن ما لم يقترن هذا الإيمان بالأعمال يبقى إيماناً صورياً يجعلنا فاترين لا باردين كليّاً، خارجين عن حظيرة المسيح، ولا حارّين بالروح لنكون حقاً مملوئين من الروح القدس، والمسيح يسوع يكون معنا.

الشياطين أيضاً يقول الكتاب «تؤمن وتقشعر وتخاف أيضاً»، ولكنها ستتعذّب في النار الأبدية لأنها شريرة. لنا رجاء، هذا الرجاء هو أن نكون مع الرب في مجيئه، أن نترجى الحياة الثانية. هذا يقترن بإيماننا بالحياة الأبدية. ولكن أيضاً لا ينفعنا شيء أن كنّا لا نترجّى قيامة الموتى، ونحن مستعدون للقاء المسيح بنور مصابيحنا المملوءة زيتاً هو زيت الإيمان المستقيم والأعمال الصالحة.

في طقسنا هذا اليوم نطوف في الكنيسة، وشموعنا بأيدينا والظلمة قد خيّمت علينا. بهذا الرمز العظيم لنا أيها الأحباء أننا بسلوكنا في هذه الحياة الدنيا، لنا شموع مضاءة، بنور المسيح نسلك في هذه الحياة، وهذا النور يظهر بأعمالنا الصالحة، لذلك قال الرب يسوع: «ليروا أعمالكم الصالحة ويمجّدوا أباكم الذي في السموات»، وعندما نصل بدورتنا في الكنيسة إلى باب المذبح الذي يمثّل باب الملكوت نتضرّع تائبين إلى الله، لأننا في سلوكنا في الحياة طالما نحن لابسون الجسد لابدَّ من أن نتعرّض للتجارب وكثيراً ما نقترف الخطايا لأن إبليس يحاول أن يجرّبنا لنكون بعيدين عن الله، ولكن الرب الرحيم الديّان العادل الذي جُرِّب مثلنا في كل شيء ما عدا الخطيّة، لن يسألنا في يوم الدين: لماذا أخطأنا؟ بل لماذا لم نتب؟ فعلينا أن نتوب مستعدّين للقاء الرب، منتظرين إياه في مجيئه الثاني.

إن مثل العذارى يعلمنا أن العذارى العشر جميعهن كنّ مؤمنات، ودُعِين عذارى. إذاً نتصوّر أنهنّ كنَّ في دائرة الملكوت على الأرض كما ندعى نحن أيضاً مسيحيين، هذا الاسم الذي أطلق أولاً على أهل أنطاكية إنما أطلق عليهم لأنهم كانوا مستقيمين قدّيسين أتقياء، لا بالفكر والقول فقط، بل أيضاً بالعمل فشابهوا المسيح وسمّوا مسيحيين. إنه اسم مقدّس أن ندعى باسم الرب مسيحيين كأتباع للمسيح، ولكن هذا الاسم لا ينفعنا شيئاً، بل يقوم في الدينونة ضدّنا إن كنّا لا نتمثّل في المسيح يسوع ربّنا.

مرّة عاد التلاميذ من رحلة تبشيرية، وكانوا فرحين قائلين للرب: «حتى الشياطين تخضع لنا باسمك»، فقال لهم: «لا تفرحوا لأن الشياطين تخضع لكم باسمي، بل افرحوا بالحري لأن أسماءكم مكتوبة في السماء». فاسم الرب قوي، «وباسمه تجثو كل ركبة ما في السماء من فوق، وما على الأرض، وما تحت الأرض»، ولكن هذا الاسم الذي أخذناه ما لم نقتدِ بالمسيح ربنا نكون غرباء عنه.

كما قيل مرةً عن الاسكندر أنه وجد أحد جنوده نائماً في ساعة نوبته للحراسة، فأيقظه وقال له: ما اسمك يا بني؟ قال اسمي اسكندر، قال له: إمّا أن تكون مثلي، أو غيّر اسمك واخرج من هذا السلك كليّاً.

فالمسيح يريدنا أن نكون مثله طالما دعينا باسمه، فالعذارى كنّ قد دُعين باسم المسيح، وكنّ مكرِّسات أنفسهن للرب بالأصوام والصلوات ومنتظرات مجيء المسيح، وكنّ مؤمنات بأن المسيح سيأتي، وكانت لهن سرج مملوءة زيتاً ومضيئة، ولكن العريس أبطأ مجيئه فنفد الزّيت بالسُرُج ولم يكن لخمس منهن زيت احتياطي، لذلك لم يكنّ مستعدات، فعندما جاء العريس كانت سرجهنّ مظلمة واعتبرن جاهلات ولم يسمح لهن بدخول الملكوت مع العريس السماوي أما المستعدّات فدخلن معه وتنعّمن. لا نعلم متى يأتي الرب، نظنّ أنه قد أبطأ مجيئه، هل استعد كل واحد منّا إن كان حكيماً، والحكمة هي تطبيق الإيمان بالأعمال الصالحة، إن كان حكيماً هل هو مستعد للقاء الرب؟ هل أعد لسراجه زيتاً وافراً في آنية إضافية، حتى إذا أبطأ الرب لا ينطفئ سراجه لأنَّ هناك زيت الأعمال الصالحة، زيت الرحمة.

جاء الرب، فالجاهلات اللواتي لم تستعد كل واحدة منهنّ لآنية مليئة بالزيت انطفأت سرجهن، والمستعدّات يقول المثل: دخلن مع الرب، أما الجاهلات فطردن خارجاً، صرخن: يا رب افتح لنا، ولكن ليس من يجيب.

هذا المثل أحبائي لنا جميعاً أبناء الكنيسة وبناتها، نحن الذين نلنا النِعم العظيمة من الله. نحن الذين نلنا نعمة الفداء بمجيء المسيح أوّلاً، فعلينا أن ننتظره لنستقبله في مجيئه الثاني وانتظارنا يجب أن يكون على غرار الحكيمات بوافر الأعمال الصالحة وخاصةً بالرحمة، الرحمة التي ستفتخر على الدين والحكم، لأنها ستكون أساساً للحكم في دينونة اليوم الأخير. كنتُ جائعاً فأطعمتموني. علينا أن نستعد فالمسيح آتٍ لا محالة، متى؟ لا نعلم. «اسهروا إذاً لأنكم لا تعلمون متى يأتي الرب». والرسول بولس ظنّ أن مجيء الرب يكون قريباً وأنه سيكون في عِداد الأحياء حينذاك، لذلك قال: «أما نحن الأحياء فسنخطف معه في الجو»، والرب عندما أعلن عن حقيقة مجيئه أنه عندما يصرخ في البوق، عندئذ بعد أن تكون العلامات قد تمّت من حروب وكوارث طبيعية، وعلامة ابن الإنسان الصليب المقدس قد تظهر في السماء حينئذ يأتي المسيح، فيقوم الموتى بأجساد روحيّة، وتتّحد بأرواحها، فالصالحون يكونون مع المسيح، مع العذارى الخمس الحكيمات، أما الأشرار أبعدكم الله وأبعدنا عنهم وعن الشرير حيث أنهم يكونون مع سيدهم إبليس ليتعذّبوا إلى الأبد، وهناك يكون البكاء وصريف الأسنان.

فلنقتدِ بالمستعدّات أحبائي، لنفتخر باسمنا المسيحي، لنفتخر بكنيستنا التي ولدتنا من جرن المعمودية وأعطتنا النِعم الأبدية لنتمسّك بعقائدنا الإيمانية السمحة، لنتمسّك بنور المسيح، لنكون مملوئين حرارة، لا أن نقبل الإيمان الصوري فقط، بل نقرنه بالإيمان الحي أي الأعمال الصالحة، لنكون أحياء في المسيح، حتى إذا ما جاء ولا نعلم متى، نرث معه ملكوته السماوي، متنعّمين على مائدته إلى الأبد، الحالة التي أتمناها لي ولكم أحبائي بنعمته تعالى آمين.

نقلا عن موقع بطريركيتنا الجليلة

748 زيارات

التعليقات مغلقة