فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى 5: 16)
آخر الأخبار

خميس الأسرار ـ بقلم قداسة سيدنا البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى

القراءات:
قراءة من سفر التكوين (1: 20ـ 23).
قراءة من نبوءة إشعيا النبي (24: 16ـ 23).
أعمال الآباء الرسل الأطهار (1: 15ـ 25).
رسالة مار بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس (10: 14ـ 33).
إنجيل المساء بحسب البشير لوقا (22: 1ـ 22).
إنجيل الصباح بحسب الرسول يوحنا (12: 23ـ 36).
إنجيل القداس بحسب البشير مرقس (14: 1ـ 9).

«لأن جسدي مأكل حقٌ ودمي مشرب حقٌ» (يو56:6)

عجيبة جداً عقيدة القربان المقدس، فإننا نرى أمامنا خبزاً وخمراً ونؤمن بأن هذا الخبز قد صار جسد المسيح وإن هذه الخمرة قد صارت دم المسيح بعد حلول الروح القدس عيهما خلال قيام الكاهن الشرعي بطقس القداس الإلهي. وربنا يسوع المسيح بكل وضوح يقول: أن جسده مأكل حق وأن دمه مشرب حق، قال ذلك في معرض تمهيده لتأسيس سر القربان المقدس العجيب، وتهيئته عقول تلاميذه المؤمنين به حينذاك والذين سيؤمنون به. هذه العقيدة السمحة، عقيدة تحول الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه الأقدسين.

كان لدى اليهود تقليد تسلموه من آبائهم، أنّ موسى قد تنبأ بأن النبي الذي سيقيمه لهم الرب مثل موسى يطعمهم خبزاً نازلاً من السماء كما أطعمهم موسى المن في البرية. وبعد أن اجترح الرب يسوع معجزة تكثير الخبزات القليلة وأشبع الألوف من اليهود تبعه جمهور منهم غفير، قال لهم: لم تتبعوني لأنكم رأيتم الآيات بل لأنكم أكلتم الخبز فشبعتم، وهو كعادته يريد من الإنسان المؤمن به وبقوته وسلطانه الإلهيين، ألا يفتكر بالدنيويات بل بالروحانيات فيوصيهم أن لا تهتموا بالطعام البائد بل بالطعام الروحي الباقي للحياة الأبدية الذي يعطيهم إياه الآب الذي في السماء. وعندما سألوه آية من السماء وذكّروه بالمن الذي قالوا إن موسى أعطاهم إياه في البرية يقول لهم الرب: إن موسى لم يعطيكم المن لكن أبي الذي في السموات. ثم يحول أفكارهم إليه وهو (ماشيحا) المسيح المنتظر، يعلن نفسه أنه الخبز الذي نزل من السماء، ولا غرو من ذلك فإننا عندما نتأمل بسيرة الرب بالجسد وتدبيره الإلهي العلني نتأكد إنه هو حقاً الخبز الحقيقي الذي نزل من السماء فقد ولد في (بيت لحم) أي بيت الخبز، وأعلن نفسح أنه هو الخبز النازل من السماء قوتاً للبشر، لقد عجن بالآلام، وقد خبز بنار الجلجلة على الصليب، وصار للناس خبزاً حقيقياً ليقيت النفس. فإذا كان الخبز العادي يقيت أجسادنا ويغذيها وينميها فالقوت الروحي الخبز السماوي المسيح يسوع نفوسنا في الإيمان ويقيتها بل أيضاً يهيئها للحياة الأبدية.

فقد قال عن نفسه: أنا هو الخبز الذي نزل من السماء، من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه، من لا يأكل جسد ابن الإنسان ويشرب دمه ليس له حياة فيه. هذه الكلمات لا يتمكن الإنسان العادي أن يدركها وأن يؤمن بها ما لم يُلهم بها من السماء، لذلك عندما أعلنها الرب ليمهّد لتأسيس سر القربان المقدس رجع تلاميذه إلى الوراء، وأخذ اليهود يخاصم بعضهم بعضاً قائلين: كيف يستطيع هذا أن يعطينا جسده ودمه مأكلاً ومشرباً، أما هو فيعلن هذه العقيدة قائلاً: “أن جسدي مأكل حقٌ وأن دمي مشرب حقٌ من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه”. وفي ليلة آلامه كان الأوان قد آن ليؤسس سر القربان المقدس، فبعد أن غسل أقدام تلاميذه نقاهم وطهرهم وهيأهم ليكونوا مستعدين لتقبّل سر جسده ودمه الأقدسين، منحهم هذا الجسد المقدس بإرادته قبل أن سلم نفسه لأعدائه اليهود ليصلبوه على العود.

جلس معهم، أكل الفصح اليهودي أولاً، أي أتمّ فريضة العهد القديم وختمها، وابتدأ بفريضة العهد الجديد، ويقول الإنجيل المقدس أنه أخذ خبزاً بارك وكسر وأعطى تلاميذه قال لهم: خذوا كلوا هذا هو جسدي، إذاً “جسده مأكل حق”، وبعد ذلك بارك الكأس المملوءة من الخمر النقي وأعطاهم قائلاً: اشربوا منها كلكم هذا هو دمي. وبذلك يؤكد عليهم جميعاً ومن جملتهم الرسل الذين كانوا سابقاً في عداد تلاميذ يوحنا المعمدان الذين لا يشربون الخمر قائلاً: اشربوا كلكم لأنها لم تبق خمراً بعد تقديسها بل قد صارت دم المسيح، والرب يقول: هذا هو دمي الذي يسفك عن كثيرين لمغفرة الخطايا ويوصيهم قائلاً: اصنعوا هذا لذكري، كان قد قال سابقاً أن من يأكل جسد ابن الإنسان ويشرب دمه يثبت فيه وله الحياة الأبدية. ويقول أيضاً أنا أقيمه في اليوم الأخير، كل هذه المواعيد مبنية على أساس تقبل هذه العقيدة السمحة أن الخبز والخمر بعد تقديسهما يصيران جسد المسيح ودمه، اصنعوا هذا لذكري وقد أتم الرسل هذه الوصية الإلهية فإننا نقرأ في سفر أعمال الرسل عن الرسل والتلاميذ أنهم إتماماً لأمر الرب كانوا يجتمعون معاً ويكسّرون الخبز أي كانوا يتناولون سر القربان المقدس، وكان علامة شركة روحية قائمة بينهم وبين الرب يسوع المسيح أيضاً.

من هنا جاء الاحتفال بالقداس الإلهي الذي احتفل فيه أولاً الرب يسوع المسيح، عندما قدّس الخبز والخمر وناول تلاميذه سر جسده ودمه الأقدسين ثم بعدئذ بحسب تقليد كنيستنا المقدسة أن أول من احتفل بين الرسل بالقداس الإلهي هو مار يعقوب أخو الرب أسقف أورشليم، واحتفل به بلغتنا السريانية، لغة الرب يسوع، ولغة الرسل والعذراء مريم، وأخذت عنه الكنائس كافة طقس الاحتفال بالقداس الإلهي.

لقد منح الرب تلاميذه سر جسده ودمه على شكلي الخبز والخمر يوم خميس الفصح، الذي ندعوه أيضاً خميس الأسرار ففي ذلك اليوم فيه أخذت الكنيسة بشخص الرسل الأطهار عن الرب يسوع أسراره الإلهية وفي اليوم التالي أي يوم الجمعة العظيمة سلم بإرادته جسده الطاهر إلى أعدائه وصلب على عود حيث سفك دمه عنا، وهذه هي الذبيحة الكفارية التي قدمها عنا للآب السماوي فبررنا وقدسنا وجبلنا أولاداً لله بالنعمة. أما الذبيحة غير الدموية فتستمد قوتها من استمرارية استحقاق ذبيحة الصليب.

إن الرب يسوع المسيح عندما قدم نفسه ذبيحة قدمها باعتباره الحبر الأعظم الذي يقول عنه الكتاب المقدس: أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق، وكان في الوقت ذاته الذبيحة الإلهية الكفّارية، وعندما يقدم كهنة الرب الذبيحة غير الدموية أي سر القربان المقدس يقومون بذلك بالنيابة عن ربنا يسوع المسيح بتقديم سر جسد الرب يسوع ودمه ذبيحة غير دموية التي لها قوة استمرار واستحقاق نِعَم الذبيحة الدموية على الصليب للتطهير والتقديس للتغذية والنمو بالمسيح، ولنيل وعد المسيح أن يرث الإنسان ملكوت الله ويحيا في المسيح إلى الأبد. لذلك لا يمكن أن يقدم الكاهن هذه الذبيحة الإلهية غير الدموية ما لم يكن قد انتخب من الله وأخذ الرسامة الشرعية وما لم يكن مؤمناً بقوتها ومفعولها، ما لم يكن مرتعب عندما يلفظ الكلمات التاريخية التي فاه بها الرب يسوع. عندما قدم سر جسده ودمه الأقدسين لتلاميذه وبعدئذ يدعو الروح القدس لتقديسهما فالذي يقدس الخبز والخمر هو الروح القدس بالذات وبعد أن يحل الروح القدس على الخبز والخمر يصيران حقاً جسد المسيح ودم المسيح ومن يأخذهما يثبت في المسيح والمسيح يثبت فيه، لأنهما جسد المسيح الحق ودم المسيح الحق. كما قال الرب يسوع ذاته لذلك على المؤمنين إن يتقدموا إلى مذبح الرب بعد أن ينقّوا أنفسهم من كل شائبة وخطية بالاعتراف الكامل أمام الكاهن الشرعي وبعد أن يستعدوا جسداً وروحاً لتناول القربان المقدس ليثبتوا في المسيح ويثبت المسيح فيهم وينالوا الحياة الأبدية.

أيها الأحباء:
لنطهّر أنفسنا من كل خطية، ولنتقدم إلى مذبح الرب ونتناول القربان المقدس الذي هو جسد المسيح ودمه الأقدسين الطعام الروحي الذي نتناوله لنثبت في المسيح ويثبت المسيح فينا ولنستحق جميعاً أن نرث ملكوته السماوي حسب وعده المقدس الصادق الحالة التي أتمناها لي ولكم بنعمته تعالى آمين.

* نقلاً عن موقع بطريركيتنا الجليلة

711 زيارات

التعليقات مغلقة