فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى 5: 16)
آخر الأخبار

رتبة غسل أقدام التلاميذ ـ بقلم قداسة سيدنا البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى

«قال الرب يسوع: تعلّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم»

تعلّموا مني هذه وصية الرب يسوع الذي يصفه الرسول بولس بقوله: الله ظهر بالجسد، الإله الذي رآه إشعيا النبي في السماء وسمع الملائكة يسبحونه قائلين: قدوس قدوس قدوس الرب الصباؤوت، الإله الذي رآه حزقيال النبي يتمجد على أجنحة الكروبيم، إنه إلهنا الذي ظهر بالجسد وعلمنا دروساً خالدة في التواضع والوداعة، فقد رأى الكبرياء تعمل عمل النار في الهشيم في قلب الإنسان وفكره، وكان في بدء خليقته قد خلق الملائكة روحاً من نار وساورت الكبرياء عقل أحد رؤسائهم فأراد أن يصير معادلاً لله، فسقط وكان سقوطه عظيماً وعوقب وكان عقابه صارماً، وانقلب إلى عدو لله هو ومن تبعه وأغواه، ورأى الإنسان هو الأخر أن يكون معادلاً لله فسقط في وهدة الخطية واستحق عقاباً صارماً أن يطرد من فردوسه وحكم عليه أن يأكل خبزه بعرق جبينه وأن تنبت له الأرض شوكاً وحسكاً، وشاءت رحمة الله أن تنقذ الإنسان فتجسد ابن الله وأخذ جسدنا ليخلصنا، فطأطأ الإله سماء مجده، وجاء متواضعاً، اختار له فتاة بسيطة متواضعة والدة وأماً له فولد منها، قالت عن نفسها للملاك جبرائيل: “ها أنا أمة للرب” وقالت في أنشودة لها: “نظر إلى تواضع أمته فهوذا منذ الآب تعطيني الطوبى جميع الأجيال لأن القدير صنع بي عظائم واسمه قدوس ورحمته إلى جيل الأجيال للذين يتقونه أنزل الأعزاء عن الكراسي رفع المتواضعين”.

أجل رأيناه ليس فقط متواضعاً بولادته من العذراء مريم الفتاة اليتيمة الفقيرة المسكينة القديسة العفيفة سليلة الملوك والكهنة والأنبياء، بل أيضاً اختار له بلدة صغيرة ليولد فيها وولد في مغارة بسيطة ليعلّم الإنسان التواضع ورأيناه بالنسبة إلى الفضائل السامية وهو الإله الذي تحدّى بعدئذ أعداءه وأعلنها حقيقة إلهية أمام أتباعه قائلاً للناس: “من منكم يبكتني على خطية”، لتواضعه انضم إلى جمهور التائبين وجاء إلى يوحنا المعمدان وتقبل العماد منه كما كان يفعل الخطاة التائبون، في كل تدبيره الإلهي بالجسد بعد أن جرّب أيضاً من إبليس بالنيابة عن الإنسان رأيناه متواضعاً وديعاً ليعلّم الإنسان كيف يجب أن يتواضع وهو يعلم العلم اليقين بأن بذرة الشر تنمو في قلب الإنسان وترتفع وتهيمن على كل أفكاره وأقواله وأفعاله من داء عضال هو العجرفة والكبرياء كم مرة رأى تلاميذه ينافس بعضهم بعضاً للحصول على المراكز الأولى كم مرة لقنهم دروساً قيمة حتى أنه أتى بطفل احتضنه ووضعه في وسطهم وقال لهم: “إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت الله”، والطفل عادة وديع متواضع مسامح قد يؤذيه إنسان فيتألم ويغضب ولكن بعد لحظات ينسى ما ناله من أذى من أي إنسان كان، والرب يريدنا أن نرجع ونصير كالأطفال لنستحق أن ندخل ملكوت السموات إن كنا نرغب بدخول الملكوت. عالج داء الكبرياء بدواء التواضع في جولانه يعمل خيراً لم يكن أحد يميزه عن تلاميذه لم يكن في تواضعه ضعف وضعة إنما في ذلك التواضع سموّ إلهي وعزّة نفس ودرس خالد يلقيه على تلاميذه، حتى في آخر أيامه في ليلة آلامه أراد أن يلقن هؤلاء التلاميذ الدرس الأخير في التواضع “تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم” هناك فضائل سامية يريدهم أن يتعلموها منه ولكنه فضّل عليها الوداعة والتواضع فإذا ما كانوا ودعاء متواضعين صاروا حكماء أعطوا الناس المثل الجيد في الحكمة الإلهية التي شاءت أن يأتي ابن الله الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس إلى هذه الأرض متواضعاً بل أيضاً مطيعاً للآب السماوي حتى الموت موت الصليب، وفي ليلة آلامه وهو يرى أن الكبرياء ما زالت تهيمن على قلوب تلاميذه وأفكارهم ورآهم كيف أنهم لم يقدم أحدهم ليغسل أقدام رفاقه كانت هذه العادة متبعة في تلك الأيام في تلك المنطقة من العالم خاصة عندما يأتيك ضيف عزيز لا بد أن تغسل قدميه بنفسك وتقبل قدميه أيضاً وتجلسه في مكان لائق من بيتك وعندما تجتمع العائلة يغسل أحدهم أقدام الآخرين، ولكن تلاميذ الرب لكبريائهم لم يتذكروا الدروس السامية التي ألقاها عليهم الرب ولم يتذكروا مثل الفريسي والعشار وكيف أن الرب ذمّ الفريسي الذي كان يظهر برّه الذاتي أمام الناس وكأنه بار ولكنه لم يكن باراً الذي عندما وقف يصلي أمام الله أخذ يكيل المدح لنفسه وبذلك انجلت كبرياؤه ولم يكتفي بذلك بل أخذ يذم ذلك العشار المسكين الذي جاء ووقف يقرع صدره تائباً نادماً على كل ما اقترفه من ذنوب يطلب الرحمة من الله فمدح الرب العشار وقال عنه إنه ذهب إلى بيته مبرراً وقد غفرت خطيته ودان الرب الفريسي المتعجرف وكان له المجد قد صب جامات الحرم على الفريسيين والكتبة لعجرفتهم وكبريائهم أجل لم يتذكر التلاميذ الدروس الرب التي ألقاها عليهم بأقواله وأمثاله فأعطاهم الدرس الأخير بمثاله،

وآباء الكنيسة الميامين وضعوا هذا الطقس غسل أقدام التلاميذ مدفوعين بروح المسيح يسوع ربنا روح التواضع، فالنفس إذا ما خضعت لوصايا الرب علمت إن المحبة هي أم الوصايا وثمرة المحبة التواضع التام والإنسان المتواضع يحيا التواضع بين نفسه وبين ربه فيشعر بأنه تراب وإلى التراب يعود وإن عليه أن يتلاشى جسداً ونفساً أمام الله لكي يظهر مجد الله في أعماله وأقواله وأفكاره وبذلك يجد راحة لنفسه، فعندما نقوم بهذا الطقس الذي رتبه آباؤنا نكمل وصية ربنا يسوع المسيح لتلاميذه بقولهم لهم: كما فعلت أنا بكم افعلوا أنتم أيضاً بعضكم لبعض فهذا درس خالد في التواضع وتجنّب الكبرياء إنما نفعل هذا لنعيد ما علّمنا المسيح إياه ونذكّر الشعب المبارك بأن كل فرد منا نحن المؤمنين بالمسيح يسوع ربنا أن يتمثّل بالرب الذي قال لنا: تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب ،وكما علمنا بعض آباء الكنيسة أن الكبرياء دون سائر الرذائل أخرجتنا من الفردوس، وأن التواضع دون سائر الفضائل يعيدنا إلى الفردوس.

أسأله تعالى في هذه اللحظات أن يؤهلنا لنبتعد عن روح الكبرياء وأن يحب بعضنا بعضاً لأن ثمار المحبة التواضع والوداعة، أسأله تعالى أن يحفظ هؤلاء الأبناء الأعزاء الذين قمنا بغسل أقدامهم في هذه اللحظات ويؤهلهم ليسلكوا السبل المستقيمة مهنئين إياهم بالنعمة التي نالوها من الرب يسوع وأن يبارككم جميعاً أحبائي ويؤهلكم أن تقتدوا بالرب يسوع بالوداعة والتواضع فتجدوا راحة لنفوسكم ليرفعكم إلى رتبة الأبرار والصديقين والقديسين لأنه قد قال: من وضع نفسه ارتفع لتكونوا في عداد أولئك الذين لبّوا دعوته وحملوا نيره الخفيف الهيِّن، تبعوه في طريق التواضع والوداعة والتحمل وإن نيره هو الصليب وصليبه هو مجده وإذا ما صلبنا كبريائنا معه على الصليب سنقوم معه بمجد عظيم لأننا إذا تألمنا معه يقول الرسول بولس فسوف نتمجّد معه الحالة التي أتمناها لي ولكم بنعمته تعالى آمين.

* نقلاً عن موقع بطريريكتنا الجليلة

717 زيارات

التعليقات مغلقة