فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى 5: 16)
آخر الأخبار

جمعة الآلام العظيمة

القراءات:
قراءة من سفر التكوين (22: 10ـ 18).
قراءة من سفر عاموس النبي (8: 7ـ 10).
قراءة من نبؤة زكريا (12: 6ـ 16).
قراءة من سفر المزامير (95: 1ـ 11).
من أعمال الرسل الأطهار (26: 8ـ 23).
رسالة مار بولس الرسول إلى أهل غلاطية (2: 17ـ 21 و3: 1ـ 6).
الإنجيل المقدس بحسب الرسول يوحنا (19: 25ـ 37).

تحتفل الكنيسة المقدسة في جمعة الآلام العظيمة بذكرى مأساة الجلجلة متسربلة بالسواد متشحة بثوب الحداد، علامة الحزن والكآبة. وفي صلواتها المسهبة شعراً ونثراً وفي قراءاتها المختارة من الكتاب المقدس، تستعرض النبوات التي أشارت إلى آلام الفادي، فلم يكن ما حدث يوم صلب الرب يسوع على الخشبة ابن ساعته. بل إن السماء قد أعلنته بالنبوات والرموز والإشارات منذ بدء الخليقة وعبر الدهور والأجيال وهذا كله يُعلنه لنا الطقس المقدس. وتريدنا الكنيسة أن نتخيّل لنرى بعين الروح، يسوع فادي البشرية في بستان الجثسيماني في جبل الزيتون ليلة الجمعة، يصلّي ويتألّم. إن الرب يسوع سمح لثلاثة من تلاميذه أن يصلوا معه إلى مكان معين في البستان ويقول الإنجيل المقدس: «ابتدأ يدهش ويحزن ويكتئب». ثم يسلّم إرادته بيد أبيه أمام تلاميذه الثلاثة بطرس ويعقوب ويوحنا الذين اصطحبهم معه «وانفصل عنهم رمية حجر وجثا على ركبتيه وصلّى قائلاً: أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك» (لو 22: 42). ثم يغادر المكان مع التلاميذ الثلاثة لينضمّ إليهم التلاميذ الثمانية، وعند باب البستان يسلّمه تلميذه الخائن يهوذا إلى أعدائه بقبلة الغدر «فقال له يسوع: يا يهوذا أبقبلة تسلّم ابن الإنسان» (لو 22: 48) ولذلك يمتنع المؤمنون طيلة أسبوع الآلام من تقبيل الإنجيل أو الصور المقدسة أو حتى بعضهم بعضاً. وفي الساعة الواحدة صباحاً ذهب به أعداؤه إلى حنّان (يو 18: 13) وفي الساعة الثانية إلى رئيس الكهنة قيافا حيث اجتمع الكتبة والشيوخ… وحوالي الساعة السادسة صباحاً إلى مجمع السنهدريم، وهم أثناء ذلك يعاملونه معاملة المجرمين، ويحضرون شهود زور لا تتفق شهاداتهم الكاذبة. وكان هو صامتاً يتحمّل صنوف العذاب النفسي والجسدي بصبر جميل. ولم ينبس ببنت شفة إلاّ عندما استحلفوه بالإله الحي أن يجيب فيما إذا كان هو المسيح، فيقول بهدوء: «نعم أنا هو» ويضيف قائلاً: «وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة آتياً على سحاب السماء».
كان يسوع في تلك اللحظات في قدس أقداس آلامه المحيية، لذلك ففي صلاة ليلة جمعة الآلام التي يقضيها المؤمنون ساهرين، يرتلون الأناشيد الحزينة الداعية إلى الخشوع والبكاء ويقولون فيما يقولون: إن شبل الأسد محبوس فمن يقوى على النوم… هل يعقل أن تغفو عين المؤمن بالمسيح وهو يتخيل يسوع يهان ويقف كمجرم أمام المجرمين، وهو البر بالذات. ويحكمون عليه بالموت وهو الحياة ومانح الحياة للبشر. أما تلاميذه فقد هربوا ليتمّ الكتاب: ضُرب الراعي فتبددت الخراف.
وصباحاً أحضروه أمام بيلاطس ممثل السلطة الرومانية متّهمين إياه بأنه رفض ان يدفع الجزية لقيصر وأنه يقول عن نفسه أنه ملك… ويحاول بيلاطس إعلان براءة يسوع: لم أجد فيه علة للموت، يقول لليهود. أما هم فكانوا يصرخون: اصلبه اصلبه… وعندما يخيّرهم بين إطلاق سراح يسوع أو سراح باراباس المجرم الكبير، يجيبونه: أطلق باراباس. والطقس الكنسي يعقد المقارنة بين البار القدوس يسوع وبين باراباس المجرم الكبير… ويأخذنا الطقس الكنسي إلى بيت بيلاطس لنرى امرأته قلقة مضطربة لحلم رأته في تلك الليلة وترسل إلى زوجها لتقول له إيّاك وذلك البار، إنه سيحاكمك وإذا ما حكمت عليه بالموت، ستنصب لعنة السماء عليك فخذ الماء، واغسل يديك لتكون بريئاً من دمه الطاهر ليكن دمه على يهوذا وقيافا وحنّان الذين أسلموه للموت الويل لهم إلى الأبد. فغسل بيلاطس الجبان يديه بالماء معلناً أنه بريء من دم البار يسوع، وأخذت الأمة اليهودية مسؤولية موته على عاتقها ونادى الشعب الجاهل قائلاً: دمه علينا وعلى أولادنا، وحكم على البار بالموت صلباً وتحمّل الآلام والجلد المبرح والضرب الأليم وحمل صليبه بين جمهور من الناس المستهزئين به، وعُلّق عليه ما بين السماء والأرض وكأني به وقد رفضته السماء لأنه قبل على ذاته أن يحمل خطية الأرض وسكانها، والخطية مرفوضة رفضاً باتاً من إله السماء، ورفضته أيضاً الأرض لأنه بكّت رؤساء كهنتها، وقرّع فرّيسيها، ووبّخ وأنّب الذين حادوا عن شريعة الله، فعُلّق على العود، ليربط السماء بالأرض ويقيم الصلح بين اللّه أبيه والبشر الذين صار واحداً منهم، وليحوّل لعنة الخشبة إلى بركة سماوية بل ليجعل الصليب سلّماً يصعد عليها إلى السماء الذين آمنوا به مخلّصاً للبشرية، فتبرروا وتقدّسوا وصاروا أولاداً للّه بالنعمة وورثة لملكوته السماوي. كما تبرهن لنا الكنيسة أن الإله المتجسّد المسيح يسوع الذي تنبأ هو ذاته عن الآلام التي سيتحمّلها والموت على الصليب وبعدئذ القيامة، وأنبأ تلاميذه بذلك قبل حدوثه، مبرهناً على أنه إنما قبل الصلب والموت اختيارياً. كان أنبياء العهد القديم قد تنبّؤوا عنه بأنه يحصى مع الأثمة ولذلك صلب معه لصان «اشتركا أولاً بتعييره مع المعيّرين… ولكن أحدهما وهو يسمع الرب وهو يتألم على الصليب يطلب من الآب أن يغفر لصالبيه، أنعم اللّه عليه فدافع عن يسوع البار وكان هذا الوحيد أثناء صلب المسيح يدافع عنه وهو يوبّخ زميله قائلاً: «إذا كنا قد حكم علينا، فإنما نلنا جزاءنا الحق، ولكن هو لم يصنع ما يستوجب ذلك الحكم» في هذه الكلمات نلمس الندامة والاعتراف والتوبة… ويلتفت إلى الرب قائلاً: «اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك فقال له يسوع: الحق أقول لك أنك اليوم تكون معي في الفردوس» (لو 23: 42و43) وعلى الصليب والمسيح في قدس أقداس آلامه لم ينسَ أمه الحزينة مريم العذراء فيوصي بها تلميذه يوحنا… لقد تألّم وتكلّم وأعلن أن الخلاص قد كمل، وأخيراً ناجى أباه قائلاً: «أبتاه بيديك أستودع روحي». والكنيسة المقدسة بالاحتفال في هذه الذكرى المقدسة، تريدنا أيضاً أن نقبل المسيح مخلّصاً لنا وتحثّنا على التوبة والتخلّي عن الخطية وأن نحيا في المسيح وأن نسلّم إرادتنا له ونحمل صليبه ونتبعه في طريق الجلجلة، كما يصف ذلك الرسول بولس بقوله: «مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ» (غل 2: 20).

وتعتقد الكنيسة أن يسوع المسيح الذي مات على الصليب، هو الإله المتجسّد إذ سلّم روحه بيد أبيه، وإن لاهوته لم يفارق لا روحه ولا جسده، لحظة واحدة، ويقول مار اسحق بهذا الصدد: «إن الكنيسة تفتخر، أن اللّه مات على الصليب» وفيما يأتي شرح لأهم طقوس جمعة الآلام.

رتبة سجدة الصليب ودفنه:
طيلة أسبوع الآلام، يجلس رئيس الكهنة خارج المذبح أثناء القيام بتقديم الصلوات. وبعد نهاية صلاة الساعة الثالثة صباح يوم الجمعة العظيمة، التي تصادف الساعة التاسعة صباحاً في توقيتنا اليوم، يلبس الكهنة بدلات سوداء، ويسيرون بالترتيب، ورئيس الكهنة يحمل على كتفه فوق البدلة صليباً من خشب بغير صلبوت، وتبدأ الدورة من الباب الجنوبي كالمعتاد، حيث يسير حامل مجمرة البخور قدام الصليب، ويسير رئيس الكهنة وراء الكهنة وحاملا المروحتين ويرفّان بهما فوقه إلى أن يبلغوا إلى باب المذبح الوسطاني حيث يكون الخادم قد سبق فهيّأ صمدة ترمز إلى الجلجلة. وهذه الصمدة تكون على شكل صليب ينصب في أعلاها عند الانتهاء من الدورة، الصليب المقدس، وعلى جانبيه توقد شمعتان تمثّلان اللصين اللذين صلبا مع ربنا. وفي أثناء قراءة إنجيل الظهر، وعندما يصل القارئ إلى الموضع الذي قيل فيه: «فانتهره رفيقه…» أي اللص التائب الذي يقال أنه كان عن يمين الرب، انتهر اللص الشرير الذي شارك الصالبين بتعيير الرب، يطفئ الشماس الشمعة الشمالية، حين يقول: «وانشقّ حجاب الهيكل من فوق إلى أسفل»، يُزاح نصف الستار. وخلال الدورة يرتل الإكليروس ترانيم خاصة بهذه المناسبة، وتوضع الأواني والمواد المعدّة للتحنيط من بخور وطيوب في صينية على المذبح. وبعد صلاة الساعة التاسعة يلبس كل كاهن همليخه الأسود، ورئيس الكهنة يرتدي حلّة سوداء كاملة ويبدؤون برتبة سجدة الصليب، التي تتضمن صلوات وقراءات من الكتاب المقدس، آخرها قراءة الفصل التاسع عشر من إنجيل يوحنا بدءاً من العدد (25 وحتى 37).

وعندما يصل القارئ إلى الموضع الذي يقال فيه: «أن تكسر سيقانهم ويرفعوا. فأتى العسكر وكسروا ساقي الأول والآخر المصلوب معه، وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ساقيه لأنهم رأوه قد مات» (يو 19: 31 ـ 33)، يكسر الشماس الشمعتين الموضوعتين عن يمين الصليب ويساره. وبعد الانتهاء من قراءة الإنجيل يعظ رئيس الكهنة، ثم يأخذ المجمرة ويضع البخور ويبخّر أمام الصليب المقدس قائلاً: «لنسجد للصليب الذي فيه نلنا خلاص نفوسنا…» ثم يزيّح الصليب بالعبارات المعروفة التي تبدأ بالعبارة الآتية: «يا من تمجده الملائكة».

وإن نصب الصليب وتكريمه في هذا اليوم العظيم وفي كل يوم، مجرداً من الصلبوت أي التمثال بحسب عادة كنيستنا، يذكّرنا بالحية النحاسية التي تعد رمزاً للصليب، والتي قال عنها الرب يسوع لنيقوديموس: «وكما رفع موسى الحية في البرية، هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 14و15). وبحسب ما دوّنه آباؤنا السريان في كتاب المعذعذان الذي هو كتاب طقس الأعياد الحافلة الذي يضمّ ترانيم الطواف (الدورة) على مدار السنة كاملة، فإن رئيس الكهنة يحمل على ذراعيه الصليب، كما حُمل جسد ربنا كميت ويبدأ الكهنة والشمامسة بالترانيم، وتبدأ الدورة من الجهة الشمالية، وعندما يبلغون إلى المذبح يصعد رئيس الكهنة على درجته ويغسل الصليب بماء الورد، كما فعل يوسف ونيقوديموس، حيث غسلا جسد الرب قبل أن يقوما بدفنه في القبر الجديد. وبعدئذ يحنّط رئيس الكهنة الصليب بالبخور والطيوب ويلفّه بكتان نقي ويضع منديلاً على رأسه، ويربط زناراً على حقويه، ويدفنه في المكان المخصص لهذه المناسبة وراء مائدة الخلاص على الأغلب أو تحتها. ولا يجوز أن يقام القداس الإلهي يوم السبت على تلك المائدة المدفون تحتها الصليب، بل يحتفل بقداس هذا السبت العظيم الذي يدعى سبت البشارة أو سبت النور على مذبح آخر، ويجب أن يكون وجه الصليب المدفون متجهاً نحو الشرق، ويغطى القبر، ويختم بالشمع، ويضاء قنديل قدام القبر. ثم يبدأ رئيس الكهنة صلاة التسبحة بالسريانية وهو يبخّر القبر والحاضرين بالمجمرة والشعب يشاركه التسبيح. وعندما يصلون إلى عبارة «قدوس أنت يا اللّه، قدوس أنت أيها القوي، قدوس أنت الحي غير المائت يا من صُلبت عوضاً عنا ارحمنا»، ينفرد رئيس الكهنة بإنشادها، فيرددها بعده الكهنة والشمامسة والشعب كله. ذلك أن تقليدنا السرياني يعتبر أن هذه الصلاة التي تعرف بصلاة التقاديس، موجّهة إلى السيد المسيح، وهي قديمة في الكنيسة، وبحسب تقليدنا السرياني إن الملائكة سبّحوا الرب بتلك العبارات أثناء قيام يوسف ونيقوديموس بدفن الجسد المقدس، وعندما وصل الملائكة بالتسبيح إلى عبارة أنت الحي غير المائت كمّل يوسف ونيقوديموس التسبحة بقولهما: «يا من صلبت عوضاً عنا ارحمنا».

وبعد الانتهاء من تلاوة هذه التسبحة، تصلى الصلاة الربانية، ثم يُتلى دستور الإيمان النيقاوي، ويصرف رئيس الكهنة الشعب بالبركة. ويأخذ المؤمنون من ماء الورد الممزوج بالخل والمرارة الذي غسل به الصليب المقدس ويشربونه للبركة، ويحذرون لئلا يسكب منه على الأرض لأنه مقدّس. ومما هو جدير بالذكر أن أبناء الكنيسة اعتادوا في أسبوع الآلام وخاصة في جمعة الآلام العظيمة ألاّ يشربوا أو يأكلوا شيئاً حلو المذاق، لأن المسيح عند عطشه طلب ماءً فأعطي بأسفنجة خلاً ممزوجاً بمرارة. كما اعتاد المؤمنون ألاّ يُقبّلوا بعضهم بعضاً، لأن يهوذا الخائن بقبلة سلّم الرب إلى صالبيه. كما أننا لا نحتفل بالقداس الإلهي يوم جمعة الآلام، لأن ذلك اليوم العظيم هو ذكرى تقديم المسيح ذاته ذبيحة كفّارية على الصليب. أما في أيام أسبوع الآلام وأيام الصيام الأربعيني، فنحتفل بما نسمّيه رسم الكأس وهو تقديس القدسات السابق تقديسها مقتصرين على الاحتفال بالقداس الإلهي في فترة الصيام على أيام السبت والأحد فقط. ولا نصوم أيام السبت والأحد انقطاعاً عن الطعام تكريماً لهما، ما عدا سبت البشارة الذي يلي جمعة الآلام حيث نصومه انقطاعاً عن الطعام على اعتبار أن جسد الرب كان في ذلك اليوم لا يزال مدفوناً في القبر. وتوضع عادة مروحتان على جانبي الموضع الذي دُفن فيه الصليب المقدس، ليمثّلا الحرس الذين وضعتهم السلطة الرومانية بناء على طلب رؤساء اليهود لحراسة القبر الذي دُفن فيه جسد الرب المقدس. ولا يدخل إلى ذلك المكان أحد إلى ما بعد نصف ليلة السبت أي فجر يوم الأحد، الوقت الذي فيه جاءت المريمات إلى القبر، فبشّرها الملاك أن الرب يسوع قد قام من بين الأموات. وفي هذا الوقت عادة يأتي رئيس الكهنة ويرفع المروحتين، مبعداً إياهما عن جانبي القبر. ويفتح الموضع الذي دُفن فيه الصليب معلناً أمام المؤمنين الحاضرين في الكنيسة أن المسيح قد قام من بين الأموات، فيجيبونه: حقاً قام.

* نقلاً عن موقع بطريركيتنا الجليلة

774 زيارات

التعليقات مغلقة