فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى 5: 16)
آخر الأخبار

عيد هامتي الرسل مار بطرس ومار بولس ـ بقلم قداسة سيدنا البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى

في هذا العيد المبارك نرتل بعد الانتهاء من قراءة الإنجيل المقدس، ترتيلة لأحد ملافنتنا العظام وهي: «ܫܘܒܚܐ ܠܗ ܠܒܰܪ ܐܠܗܐ ܕܒܝܡܐ ܘܝܒܫܐ ܫܠܝܛ ܘܓܒܳܐ ܠܗ ܐ̱ܢܫܐ ܦܫܝ̈ܛܐ ܢܗܘܘܢ ܟܪ̈ܘܙܗܘܝ ܡܶܢ ܝܰܡܐ ܓܒܳܐ ܠܗ ܦܛܪܘܣ ܘܡܶܢ ܒܝܬ ܐܘܪ̈ܚܬܐ ܦܘܠܘܣ ܘܰܥܒܰܕ ܐܢܘܢ ܟܪܘܙܐ ܕܥܕܬܐ ܩܕܝܫܬܐ» وترجمتها ليتمجَّد ابن الله الذي سلطانه يشمل البحر واليابسة فقد اختار من على شاطئ البحر بطرس رسولاً له وكاروزاً ومن على مفرق الطرق بولس ليكون كارزاً للأمم ليتمجد اسم الله. بدعاء هؤلاء ننال البركة.

أحبائي نعيّد عيد مار بطرس ومار بولس ونتأمّل بمحطات نتوقف عندها بسيرة هذين الجهبذين القديسين العظيمين الذين دُعيا بهامتَي الرسل.

بطرس أول الرسل بعد أندراوس أخيه، نقول كان بسيطاً نقول كان صياداً ولكننا علينا أن نفهم أن كل إنسان من شعب العهد القديم كان منذ السادسة من عمره يدرس الكتاب، ويتعمق أيضاً في النبوءات وينتظر مجيء ماسيا وكان لابد أن يمتهن مهنة ليعيش عيشة كرامةٍ في كل الظروف التي تطرأ على البلاد. كان تلميذاً ليوحنا المعمدان، كان غيوراً في عِداد أولئك الغيارى الذين كانوا ينتظرون مجيء ماسيّا بفارغ الصبر. لابد أنه سمع شهادة يوحنا عن مجيء المسيح وعظمة المسيح ولابد أنه أيضاً تبع المسيح واستمع إليه وشاهده يجترح المعجزات، والرب يعرف كل إنسان، يقرأ ما في فكر الإنسان وقلبه وعرف سمعان وهذا اسمه عرفه معرفة جيدة. مرةً أراد الرب أن يعظ الجمهور، فدخل سفينة سمعان.

كان لسمعان سفينة وكان وضعه المادي جيداً ولئن كانت الدار التي يسكنها دار حماته التي شفاها الرب من حمَّتها أيضاً، لكنه كان ميسوراً. دخل المسيح سفينته. ومَنْ كان يملك سفينة للصيد كانت حالته جيدة جداً، وأرشده أن يلقي الشباك في الجهة اليمنى، فامتلأت سمكاً ولا نعلم لماذا عدّوا السمك فكان نحو مائة وثلاث وتسعين سمكة كبيرة وصغيرة، فسجد له سمعان وترجّاه أن يغادر السفينة قائلاً: أنا رجل خاطئ، اعترف بقوة المسيح الإلهية. وفي يوم من الأيام كان المسيح سائراً على شاطئ بحيرة طبرية ورأى سمعان، فدعاه: هلم ورائي، حالاً لبّى سمعان الدعوة، فالدعوة لم تكن مفاجئة. كان سمعان قد تعرّف على المسيح وكان المسيح قد عرف سمعان جيداً، ولكن أراده أن يضحي بكل شيء، أن يتبعه كليّاً فترك سمعان شباكه وسفينته وتبع المسيح ليصير صيّاد الناس لا صياد سمك. رأينا سمعان وهو يتبع المسيح، يحبه محبة عظيمة ويعترف به أنه ابن الله، رأينا سمعان الذي لبّى نداء المسيح فتبعه، لبى أيضاً نداء السماء فاعترف بأن المسيح حقاً هو ابن الله الوحيد، لذلك طوّبه المسيح: طوبى لك يا سمعان بن يونا إن لحماً ودماً لم يعلنا لك ذلك بل أبي الذي في السماوات، وأنا أقول لك أنت بطرس (كيفو) بالسريانية. حجرة وعلى هذه الصخرة، صخرة الإيمان بأن المسيح هو ابن الله (بترا) باليونانية (شوعو) بالسريانية. أنت بطرس وعلى هذه الصخرة صخرة الإيمان بان المسيح هو ابن الله أبني كنيستي على هذا المبدأ الإلهي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها وأعطيك مفاتيح السماء، ملكوت الله، ما تحلّه على الأرض يكون محلولاً في السماء، وما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماء. (مت 16 : 16-19) هذه سلطة هامة الرسل بطرس، أعطاها المسيح لبطرس وحده، بعدئذ أعطاها لسائر الرسل، سلطان ربط الخطايا وحلها. نال هذه الطوبى سمعان وسار مع المسيح. ولكن أحياناً عديدة نرى أن العِظام، أبطال الروح يسقطون، فتأتي التوبة. سمعان افتخر بنفسه مرةً بذاته، وهذه خطيئة البر الذاتي تحدث دائماً، يقول الآباء: كم من أبطال الروح فاز بهم العالم وانتصر عليهم. هكذا سمعان يوم أنكر الرب، والرب يتألم أمام أولئك الطغاة رؤساء الكهنة والكتبة وغيرهم، في تلك الليلة المظلمة أنكر بطرس المسيح أمام جارية حقيرة ولكنه عندما تذكر وهو يفتخر بنفسه بأنه سيكون مع المسيح دائماً إلى الموت ، يتذكر نبوءة المسيح عنه فيندم، إذ صاح الديك مرتين وقد أنكر المسيح ثلاث مرات. بكى فخرج وإذا بنهار أمامه. هذه هي التوبة التي علمنا إياها سمعان: حتى إذا سقط الإنسان بنكران المسيح بالذات إذا ما تاب وبكى وندم وعاد إلى الله يرحمه الله ويعيده إلى رتبته. كان بين الأوائل الذين اعترفوا بقيامة المسيح، كُلِّف أن يجمع رفاقه فجمعهم، كان قد نال نعمة عظيمة عندما ظهر له المسيح وللتلاميذ، وثلاث مرات يسأله: أتحبني اكثر من هؤلاء؟ وبتواضع يجيب: أنت تعلم أني أحبك، ولم يفتخر فيقول أكثر من هؤلاء، (يو 21 : 15-18) ثم يعيد إليه رتبته السامية ليبقى هامة الرسل. فيوم حل الروح القدس على التلاميذ، على الجميع، على بطرس هامة الرسل ، على التلاميذ، على النسوة وفي مقدمتهن أم يسوع مريم. أصبح بطرس في المقدمة ليوبخ اليهود لأنهم قتلوا المسيح، وليدعوهم للتوبة ليعودوا إلى المسيح وينالوا الخلاص بالاعتماد باسمه، سمعان بشر في أماكن عديدة ولكن قد أسّس خاصة كرسينا الرسولي الأنطاكي، لذلك عندما نعيّد لسمعان بطرس، إنما نعيد للكرسي الرسولي الأنطاكي الذي جلس عليه بعد بطرس أيضاً بطاركة عظام، وكانوا مثل سمعان قد حملوا مشعل الإنجيل المقدس إلى العالم كله وأناروه بنور المسيح.

وسمعان هذا الذي تاب وعاد إلى الله، بل أصبح مثالاً لكل من يتوب، سمعان هذا كلّفه نكرانه للمسيح غالياً، فعندما بشّر حُكِم عليه بالموت صلباً في روما التي لم يذهب إليها إلا لكي يموت، طلب أن يُصلَب منكَّس الرأس، لا كالمسيح يسوع وهكذا كان. وأصبح شفيع البيعة وهو مؤسس الكرسي الأنطاكي. وهو الذي كان مع هامة الرسل بولس يسعيان في نشر البشارة الإنجيلية. فإذا عُين بطرس أولاً للختان، عُين بولس للغُرْلة، أي للأمم.

وبولس أحبائي، لا بد أن نتوقف ولو في محطات صغيرة في سيرته السامية وهو يبشر بالمسيح. كان مُضطَهِداً للمسيح ولأتباع المسيح، وكان حارساً لثياب راجمِي استفانوس، عندما رُجِم في سبيل إيمانه بالمسيح يسوع، راضياً بقتله، ولكن وقد أخذ رسائل كما يعلمنا سفر أعمال الرسل، أخذ رسائل من رؤساء الكهنة في أورشليم ليأتي إلى دمشق ويضطهد أولئك الذين كانوا أتباع للمسيح يسوع، حينذاك ظهر له المسيح في طريق دمشق، شاول شاول قال له، لماذا تضطهدني؟ ربما لم يرَ شاول، وهذا اسم بولس سابقاً. ربما لم يرَ المسيح بعينَيه بالجسد، لكنه قد سمع عنه، رآه عندما ظهر له في طريقه إلى دمشق، من أنت لأضطهدك يا سيد؟ أنا يسوع الناصري. نحن نعلم أن شاول اضطهد أتباع المسيح، ونعلم من هنا أن أتباع يسوع الحقيقيين الصالحين لن يتخلى عنهم يسوع أبداً، فإذا اضطُهِدوا يعتبر نفسه أنه الذي اضطهد هو بالذات. شاول لماذا تضطهدني؟ صعب عليك أن ترفس مناخس. من أنت؟ أنا يسوع الناصري الذي تضطهده. يطلب منه: ماذا أفعل؟ يرشده ليدخل إلى المدينة وهناك يُقال له ماذا يجب أن يفعل. أصبح أعمى، الذين معه سمعوا الصوت لكنهم لم يروا شيئاً. أُخِذ إلى دمشق كما أرشده الرب إلى حنانيا، ذلك التلميذ الذي كان قد أرسل إلى دمشق مبشِّراً بالمسيح وكان أحد السبعين، حنانيا علمه ما هو الدين المسيحي، ما هي مبادئ الإيمان. وصلى عليه وعمّده وسقطت عن عيني شاول أشياء كأنها قشور ، حينذاك رأى شاول، رأى جيداً، سقط التعصب الفريسي، سقطت البغضة، الحقد على الناس، الحقد على أناس آمنوا بالمخلص الذي تنبأت عنه النبوءات، ورأى جيداً وبشَّر باسم المسيح. اضطهد أكثر من جميع الرسل، اعتبر رسولاً، بل أيضاً شارك الرسول بطرس ليكونا معا هامتَي الرسل، بشر في أماكن عديدة، كتب رسائل، واضطهد وأخيراً أيضا استشهد في اليوم نفسه الذي استشهد فيه الرسول بطرس في التاسع والعشرين من حزيران سنة 67م بأمر نيرون الطاغية وفي روما بالذات، وقطع رأسه بحد السيف، صلب بطرس وقطع رأس بولس وكانا شهيدين، وكانا ممن نادوا بالمسيح يسوع مخلصاً.

ليؤهِّلنا الرب أن نلبي دعواه كما لبى تلك الدعوة الرسولان بطرس وبولس. أن نتحمل إذا اقتضى الأمر في سبيل الإيمان به، كما تحملا المشقات بل أيضاً أن نبذل حتى الدم في سبيل المسيح يسوع والإيمان به الذي سُفِك دمه من أجلنا على الصليب لنقوم معه قيامة الحياة ونعمته تشملكم دائماً أبداً.

* نقلاً عن موقع بطريركيتنا الجليلة

714 زيارات

التعليقات مغلقة