فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى 5: 16)
آخر الأخبار

عيـد دخول المسيح إلى الهيكل

القراءات:
قراءة من سفر الخروج (13: 1ـ 16).
قراءة من نبوءة اشعيا (11: 1ـ 10).
من أعمال الرسل الأطهار (18: 1ـ 11).
رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية (1: 1ـ 12).
الإنجيل المقدس بحسب البشير لوقا (2: 22ـ 35).

«الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام، لأن عيني قد أبصرتا خلاصك نور إعلان للأمم ومجداً لشعبك إسرائيل» (لو 29:2ـ32)

ارتجلها قداسة سيدنا البطريرك المعظم موران مور إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى

دعاء رفعه إنسان قديم الأيام، إنه سمعان، واسمه بالسريانية شمعون، يعلمنا التقليد المقدس أنه كان أحد الشيوخ السبعين الذين جمعهم بطليموس فلادفيوس والي الإسكندرية مدفوعاً من الله لترجمة التوراة وأسفار النبوات من العبرية إلى اليونانية. بطليموس فلادفيوس كان يحب العلم، وكان يريد أن يطلّع الإنسان المثقف في لغة الثقافة اليونانية على المعتقدات الدينية في جميع المناطق القريبة والخاضعة للدولة الرومانية عصرئذٍ. لم يكن يدري أن ما يفعله هو من الله، لأن الأوان قد آن أن يأتي المخلص أن يتجسد الله، ولذلك لا بد أن يعرف العالم النبوات التي قيلت عن الله المتجسد، ويطلعوا على ذلك باللغة اليونانية، لغة الثقافة يومذاك، هذه كانت الغاية الإلهية من نقل أسفار التوراة وأسفار النبوات من العبرية إلى اليونانية.

ويخبرنا التاريخ أن بطليموس أرسل إلى أورشليم ليختاروا سبعين شيخاً ممن يجيدون اللغتين العبرية واليونانية لهذه الغاية السامية، كان أحد السبعين سمعان( شمعون)، فأبتدوا بترجمة هذه الأسفار بهمة عالية وإيمان متين ثقيل، ولما كان شمعون كبقية السبعين شيخ، وكل منهم كان قد بلغ السبعين من عمره أيضاً. لما بلغ إلى الآية التي كتبها إشعياء عن قول الرب «ويعطيكم الرب الإله نفسه آية هوذا العذراء تحبل وتلد أبناً وتدعو اسمه عمانوئيل»، تحير شمعون كيف أن العذراء تحبل وتلد، وتلد مولوداً يدعى عمانوئيل، الذي كما ذكر الرسول متى عندما استشهد بهذه الآية قائلاً: «الذي تفسيره الله معنا»، كلمة عمانوئيل السريانية لغة أولئك القوم يومذاك، تعني أن الله معنا. بتول عذراء تحبل وتلد، وتلد إنساناً يسمى الله معنا، هذا عجب عجاب، وأفتكر شمعون الأنسب أن لا أذكر عذراء لئلا يضحك عليّّ من يقرأ هذه الآية باللغة اليونانية، فكتب الشابة، «هوذا الشابة تحبل وتلد»، وفي اليوم التالي رأى وإلا العبارة قد تغيرت، وذُكرت الكلمة «عذراء»، ثلاثة أيام حدث له ذلك، حينذاك طلب إلى الرب أن يُعلن له السر، فجاءه ملاك الرب في حلم ليقول له، إنّ الرب لإيمانك سمح أن لا ترى الموت حتى تبصر بعينيك إتمام هذه الآية الرب نفسه (هو الرب بالذات) يعطي آية أن العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل.

أجل نعمة عظيمة أنعم الله على شمعون، ومرت الدهور وكرت الأجيال، وشمعون ينتظر إتمام هذا الوعد من الله، أنه لا يرى الموت حتى يرى ما يتم بهذه الآية المقدسة، «أن العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل». كان عمره سبعين سنة، مثلما قلنا هؤلاء الشيوخ كل واحد منهم كان عمره سبعين سنة، وأنتظر مائتين وثمانين سنة، وأصبح عمره ثلاثمائة وخمسين سنة ولم يذق الموت، وهو ينتظر خلاص الرب، وكان دائماً يواظب على الصلاة في هيكل الرب. كلت عيونه ولم يستطع أن يُبصر، ارتخت أعضاء جسمه، وأصبح تقريباً معوقاً، ولكن لم يترك الصلاة، وهو يتأمل بإيمان أن الرب سيتم وعده معه. وعندما آن الأوان وتجسد الإله، عندما ولد الرب من عذراء، ولد جسداً فكان حقاً الله ظهر بالجسد كما قال الرسول بولس: «لما بلغ ملئ الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة مولوداً تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني»، فولد تحت الناموس، والعذراء مريم وخطيبها يوسف أتما كل ما في الشريعة والناموس، وكان بحسب ناموس موسى أن كل ابن ذكر (يقول فاتح رحم)، أول ابن في العائلة يُعتبر بكراً إن كان ولد له أخوة، أو لم يولد أخوة إنما هو أول ولد، فالرب يسوع كان أول ولد للعذراء مريم، وكان ابن الله، ولد من الآب قبل كل الدهور مولود غير مخلوق مساوي للآب في الجوهر، فعندما ولد في الأزل ولد أيضاً بالجسد من العذراء مريم ومن الروح القدس، فأعتبر بكراً للعذراء كما هو بكر الآب السماوي.

عندما ولد كسائر أولاد اليهود أبكارهم، كان يُقدم عن كل واحد منهم أولاً في اليوم الثامن يُختتن، وفي اليوم الأربعين كان يُقدم إلى هيكل الرب. ما هذه الحادثة؟، لماذا يُقدم إلى هيكل الرب؟

نحن نعلم أيها الأحباء، أنه قبل مجيء موسى كان كل بكر في العائلة هو رئيس العائلة، وهو كاهن العائلة أيضاً، ولكن عندما جاء الناموس الموسوي أختص الكهنوت بسبط لاوي، فبقية الأسباط لكي ينالوا نعمة لدى الرب ويشتركوا في الكهنوت يُعطى عنهم ف دية، ففي يوم الأربعين يؤخذ البكر إلى هيكل الرب، هناك يقدم أهله فدية كانت خمسة شواقل فضة هي جزء بسيط، هناك أيضاً كانت المرأة تبقى بنجاستها إن كانت ولدت ابن بكراً مدة أربعين يوماً، وإن ولدت أنثى مدة ثمانين يوماً، وأيضاً تقدم ذبيحة عن نفسها لتنال التطهير. الذبيحة التي تقدم المرأة حمل حولي عمره سنة، خروف عمره سنة، أما الفقراء الذين لا يتمكنوا من شراء خروف، إما زوج يمام أو فرخي حمام، الحمام أغلى فزوج واحد، أما اليمام فزوجين، يقدموا عن هذه المرأة حتى تنال التطهير. قًدم عن العذراء المسكينة الفقيرة ذبيحة الفقراء، ونحن من هنا نعلم أن المجوس لم يكونوا قد جاءوا إلى الرب يسوع كما يقول بعض آباءنا، بعد أن جاء الرب يسوع وقُدم للهيكل، طبعاً جاءت العذراء مريم وخطيبها يوسف ومعهم الرب يسوع، وبعد تقديم الرب يسوع للهيكل ذهبوا جميعاً ثانية إلى بيت لحم، فجاء المجوس وهم في البيت لم يقل في المغارة، جاءوا إلى البيت وقدموا الهدايا، ولذلك قبل أن قدموا الهدايا لم يكن للعذراء مريم ذهب حتى تُعطي الفدية فقدمت شيء بسيط خمسة شواقل من الفضة، وكانوا أيضاً طبعاً بعد أن قدمت أيضاً ذبيحة ربما زوجي يمام أو فرخي حمام، لا نعلم، وانتهت الأمور، ولكن فوجئ يوسف والعذراء مريم بإنسان شيخ عتيق الأيام، أنه شمعون ذلك الإنسان الذي صار عمره يومذاك ثلاثمائة وخمسين سنة، جاء إلى الهيكل، كان يأتي دائماً لكن كان يأتي وهو في وضع ضعيف جداً، في ذلك اليوم الروح القدس دفعه ليكون في الهيكل، فجاء بقوة ونشاط، وتقدم وحمل الطفل يسوع.

ويُعلمنا آباؤنا أنه الكاهن عندما كان يحمل الطفل كانت بيده شمعتان، لذلك نحن نستعمل الشموع في عيد دخول الرب إلى الهيكل وشمعون الشيخ، ودلالة على نهاية الإنسان وحياة الإنسان التي يجب أن تكون نوراً، فحمل الشمعتين وحمل الطفل وكان يداه على شبه صليب، وصُلب الطفل على يدي شمعون، وابتدأ شمعون بنبوته قال: «الآن تُطلق عبدك يا سيد بحسب وعدك بسلام (لأنه وعده الرب أنه إلى أن يرى خلاص الرب) لأن عيني قد أبصرتا خلاصك».
+ ما هو هذا الخلاص؟
«نور إعلان للأمم»، بني إسرائيل كانوا يظنوا أن الله يخلصهم من الرومان، والخلاص لهم وحدهم وليس للعالم كله، لكن أعلن شمعون أنه، «نور إعلانٍ للأمم»، لكن هناك أيضاً شيء «مجد لشعبك إسرائيل»، لأن المسيح جاء من هذا الشعب. شمعون لم يكتفي بهذا والعذراء مريم تتطلع إلى طفلها تراه مصلوباً على يدي شمعون، فيقول لها: إن هذا قد وضع لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل ولعلامة تقاوم، يعني نحن نرى الشريعة هي الهدف، نرى الناموس هو الكل في الكل، فكل ما نفعله الهدف هو الناموس، إذا كان ما نفعله موافق للناموس إذن نحن أصبحنا أبراراً، ولكن إذا كان مخالفاً للناموس فجرائمنا كثيرة وخطايانا لا تغفر إلا بالرب يسوع.

عندما جاء السيد المسيح، المسيح هو أصبح ناموساً لنا، المسيح هو قدوة لنا، هو مثالنا، علينا أن نتطلع ماذا عمل المسيح بالجسد أن نقتدي به، ونسعى لأن هذا هو هدف المخالفة. الهدف هو السيد المسيح، إذا سرنا بما سار به السيد المسيح فنحن أبرار، وإذا خالفنا عن ذلك نكون قد تعدينا الوصية، أو الوصايا أو الناموس. أما العذراء مريم لم تكتفِ بهذا وهي مرتعبة ترى ابنها تصور لها تماماً أنه مصلوب وهو طفل، وقال لها: «وأنت أيضاً يجوز في نفسك سيفٌ»، منذ ذلك الحين ونحن نسمي العذراء مريم الدائمة البتولية (الأم الحزينة)، فعاشت حياتها كلها حزينة لأنها رأت ابنها مصلوباً وهو طفل، ورأته بعدئذ بأم عينها عندما صلب على الصليب.

شمعون انتهت مهمته بالحياة وأستحق أن يغادر هذه الحياة، وطلب أن ينطلق منها ليُعلمنا درساً خالداً في الإيمان، فلو لم يطلب من شمعون أن هذه الحياة تنتهي ثم بعدئذ تكون الحياة الأبدية، حياة الإنسان بالسعادة لما طلب أن ينطلق، مهما كانت الحياة شقية الإنسان متعلق فيها، حتى لو كان مريضاً، يكون ما يكون، متعلق بهذه الحياة، لكن عندما يؤمن أن هناك حياة أبدية، هناك سعادة في السماء للأبرار والصديقين يتمنى مثلما تمنى الرسول بولس يقول: «لي اشتياق أن أنطلق وأكون مع المسيح ذلك أفضل».

فالدروس التي نتعلمها من حادثة تقديم الرب يسوع إلى الهيكل:
أولاً: علينا أن نربي أولادنا تحت الناموس، أن نكون متمسكين بالشريعة، أن نقوم بكل الفروض، الفرائض الموضوعة علينا ليست نقض الشريعة، بل أيضاً الطقوس التي تأمر بها الكنيسة، أن ننال نعمة عظيمة من الرب لنكون مرضيين لديه تعالى، كما ربت العذراء مريم ابنها الرب يسوع، الذي يذكر الإنجيل المقدس «وكان الفتى ينمو بالقامة والنعمة عند الله والناس».

ثانياً: أن نؤمن إيماناً تاماً في الأبدية، ونقتدي بشمعون، لو لم يذهب شمعون إلى الهيكل رغم شيخوخته، رغم تعبه، رغم مرضه، لما نال هذه النعمة العظيمة أن يحمل الرب يسوع ويقدمه إلى الرب، فهو رب الهيكل الذي يُقدم إلى هيكل الرب، وأن نؤمن أن حياتنا فانية ولا بد أن تزول، ولكن هناك حياة أبدية.

في هذا اليوم نسأل الرب يسوع، ونحن نُعيد عيد دخول الرب يسوع إلى الهيكل، إذ كان العيد موعده أمس، إنما حولناه إلى يوم الأحد كقرار مجمعنا المقدس أنه هذه الأعياد تحول إلى الأحد الأقرب، حتى تتاح الفرصة للمؤمنين أن يشتركوا بها، نسأل الرب أن يبارككم جميعاً ونعمته تكون معكم في هذه الأعياد وفي كل عيد، وأن يجعلنا جميعاً مقتدين بشمعون الشيخ، أن لا نضيع فرصة الذهاب إلى الكنيسة، ولا الاهتمام بأن نحمل الرب يسوع ليس على ذراعينا كما فعل شمعون بل في قلوبنا جميعاً، حتى نقدر أن نقول ما قاله بولس الرسول، لا أن نصلب المسيح على ذراعينا بل نُصلب نحن مع المسيح، «مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ»، آمين.

* نقلاً عن موقع بطريركيتنا الجليلة

631 زيارات

التعليقات مغلقة