فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى 5: 16)
آخر الأخبار

أحد تجديــد الكنيسة (البيعة)

ـ اللحن: الثاني

ـ القراءات:
من أعمال الآباء الرسل الأطهار (21: 15 ـ 22).
الرسالة إلى العبرانيين (9: 2 ـ 14).
الإنجيل بحسب البشير لوقا (9: 18ـ 25).

(بقلم قداسة سيدنا البطريرك موران مور إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى).

أيها الأحباء تذكر الكنيسة المقدسة في هذا اليوم المبارك أحد تجديد الكنيسة هذا الأحد عندما نحتفل به نتذكر أن الكنيسة المقدسة لم تكن بذهن الناس في زمن السيد المسيح فحسب بل أن الله أسسها منذ بدء الخليقة، قال داؤد للرب: اذكر كنيستك يا رب التي افتديتها منذ الأزل.

إن الكنيسة عندما تقرأ أسفار العهد القديم وتتأمل بزعيم بني إسرائيل النبي موسى ترى أن الله قد اختاره لكي يصنع شبه الكنيسة المسيحية قبة العهد قبة الشهادة تابوت العهد الذي ضم في هذه القبة جعل ذلك رمزاً إلى كنيسة المسيح يسوع وبذلك يعلن أن الكنيسة مشيدة منذ الأزل ورأى موسى كمالها فنزل من الجبل ورسمها. لو لم ير موسى كمالها كيف كان يمكن أن يقوم بهندستها بمذبحها قدس أقداسها، لقد علّم الرب موسى لوازم العبادة فصنع قبة الميعاد أو قبة الشهادة وجعل موسى في قدس الأقداس تابوت العهد أو تابوت الرب الذي هو أنفس وأقدس كل ما وجد في خباء المحضر وأن التابوت من خشب لا يفسد ومغشى بالذهب الخالص من داخله وخارجه.

وحفظ في هذا التابوت لوحا الشريعة وإناء من ذهب مملوء مناً. وكان التابوت شهادة للعهد الذي عقده الله مع الإسرائيليين ولذلك سمي تابوت العهد وقدم موسى الذبيحة للرب لأول مرة وإذا عمود غمام قد غطى قبة الشهادة وملأ مجد الرب الخيمة وكل مرة يحتاج فيها موسى أن يستشير يذهب إلى قدس الأقداس وكان الله يكلمه من عرش النعمة.

منذ أن سقط الإنسان كلّم آدم ابنيه قايين وهابيل على الأرض أن يقدما القرابين ونقرأ في الكتاب المقدس أن قربان هابيل قد قبل بعلامة سماوية وأن تقدمة قايين قد رفضت والسبب في النية التي يقدم بها الإنسان قرابينه وتقدماته لله.

الله جعل موهبة الكهنوت في بدء سقوط الإنسان في آدم أولاً فآدم اعتبر كاهناً وإذا كان هناك كاهن فهناك كنيسة هناك مؤسسة يرأسها هذا الكاهن ويخدمها وهناك ذبيحة هناك شريعة. فالشريعة في بدء سقوط الإنسان على الأرض كانت شريعة الضمير بحسب ما وضع الله صوتاً في الإنسان هو صوت الله بالذات ينبهه ويعرفه الخير من الشر والصالح من الطالح.

هكذا تتألف الكنيسة من شريعة ثم ذبيحة وتقدمة وينال الإنسان التائب مغفرة عما اقترفه من خطايا في هذا الناموس الفطري كما ندعوه. و في الكهنوت الذي كان طبيعياً ينال البكر في العائلة كما ينال الرئاسة الاجتماعية في القبيلة.

وفي ذلك الزمن انقسم العالم إلى قسمين سمي بعضهم أولاد الله لأنهم كانوا يتبعون شريعة الله والآخرون أولاد العالم لأنهم كانوا ينخدعون بغواية إبليس كما خدع آدم وحواء الأبوان الأولان بغواية الشيطان وسقطا في وهدة الخطيئة هكذا انقسم البشر إلى قسمين أولاد إبليس وأولاد الله وعندما اختلط أبناء الله مع أبناء إبليس الذين يصفهم الكتاب المقدس بأبناء العالم يقصد به العالم الشرير حينذاك فسد العالم كله «الجميع اخطئوا وأعوزهم مجد الله».

حتى عندما أقام الله موسى نبياً وقائداً ومرشداً بل أيضاً كاهناً أقامه وعلى يديه أعطى العالم شريعة مكتوبة ووصايا إلهية حتى ذلك الحين نرى الشعب الذي تبع موسى أصبح قسمين بعضهم أخطئوا وأنكروا الله عبدوا الأوثان فنالوا العقاب الصارم وبعضهم بقي مخلصاً لله متمسكاً به غير مبال أبداً بما في العالم من غواية عالماً أنه عندما يحيد عن شريعة الله ويتبع إبليس سيعاقب من الله جاءت الكنيسة في الدور الثاني دور الشريعة الموسوية والكتاب المقدس يعلمنا أن الرب عندما دعا موسى فصعد إلى الجبل وصام موسى أربعين يوماً وأربعين ليلة لإظهار بعض الأسرار ومن الجملة أراه شكل الكنيسة بالذات وعلى ذلك المثال أمره الرب أن يصنع قبة الزمان قبة الشهادة. قبة الشهادة هي شبه الكنيسة وهي رمز إلى الكنيسة كان هناك قدس المكان الذي يدخله الكهنة ثم الشعب وكان هناك قدس أقداس المذبح الذي لم يكن يسمح أن يدخله إلا رئيس الكهنة ومرة في السنة وعندما يحتاج أن ينال إرشاداً من الله ويتقبل رسالة منه تعالى ليعلنها للناس حينذاك كان يدخل موسى إلى قدس الأقداس.

في قدس الأقداس كان هناك تابوت الشهادة هذا التابوت كان يحوي أموراً كثيرة عصا هارون التي أفرخت وأعطت لوزاً وثمراً معلنة بذلك أن الله قد اختار هارون من بين كل الأسباط وبين كل من كان معه وعصيّهم كانت موجودة فأظهرت عصا هارون أن الله قد اختاره ليكون كاهناً فالكهنوت الموسوي قد أعطي لموسى وهارون في آن واحد هكذا يعلمنا آباؤنا وأن هذا الكهنوت الذي كان عاماً وكان يتسلمه رئيس القبيلة أصبح مختصاً بسبط واحد هو سبط لاوي وتسلسل الكهنوت إلى أن جاء المسيح وكانت الذبائح الحيوانية يقدمها الكاهن لا غيره وكذلك البخور التي كان مذبحها ضمن قدس الأقداس كان الكاهن يحرق البخور وخبز التقدمة أما قبة الشهادة التي ذكرناها أيضاً ففيها أيضاً المن لكي يذكر بني إسرائيل أن الله أعطاهم خبز الملائكة مدة أربعين سنة في البرية وكان هناك أيضاً لوحي الشهادة لوحي الشريعة.

اللوحين اللذين أنزلهما موسى من الجبل، كل هذا كان رمزاً إلى الكنيسة المقدسة و الكنيسة كانت الواسطة التي لها سلطان بواسطة الكهنوت المقدس أن تنوب عن الشعب أيضاً بالصلاة إلى الله ورفع هذه الصلاة إليه تعالى و الكنيسة عندما جاء المسيح أسسها على مبدأ الإيمان به إذ كان الأنبياء سابقاً يشيرون إلى الإيمان بالله، المسيح يسوع لم يكتف بهذا وأعلن الثالوث الأقدس الآب والابن والروح القدس كذلك أيضاً أعلن نفسه أنه هو ابن الله الوحيد أنه مشيحا المسيح مخلص العالم وأن كل ما نسأله باسمه ننال من الآب السماوي وأنه مساوي للآب في الجوهر من رآه فقد رأى الآب وهو والآب واحد أعلن عن كل هذه الأمور وأثبت ذلك بالآيات والمعجزات وبتعاليمه الإلهية التي قيل عنه فيها أنه كان يعلم كمن له سلطان وليس كالكتبة والفريسيين لذلك حق له أن يعلن عن تأسيس كنيسته المقدسة على صخرة الإيمان به أنه هو ابن الله الحيّ هذه الكنيسة بعد أن أعلن تأسيسها وهي التي كان مرموز لها بقبة الشهادة التي صنعها موسى بعد أن رأى مثال الكنيسة بالذات في الجبل أراه ذلك الله فصنع قبة الشهادة هذه الكنيسة بعد أن أسسها أعلن تأسيسها حالاً وضع الكهنوت أعطى سلطان الكهنوت لبطرس منفرداً سلطان حل القضايا وربطها ليس في الأرض فقط بل أيضاً في السماء فبعد قيامته أعطى هذا السلطان للرسل مجتمعين لكي يكون للكنيسة قوة إلهية لإعطاء نعم الفداء واستحقاقات صليب المسيح يسوع التي كانت سبباً لتبرئتنا وتبريرنا وتقديسنا ومغفرة الخطايا التي فعلناها شخصياً والخطية الجدية الأولى.

الكنيسة بعد أن تهيأت لكل هذه الأمور وقبل صعود الرب إلى السماء أعطى سلطان نشر بشارته الإنجيلية إلى رسله «اذهبوا إلى العالم كله واكرزوا للخليقة جمعاء من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدان». وقال لهم أن يعمدوا باسم الآب والابن والروح القدس. أعلن الثالوث الأقدس هذه العقيدة السامية أعلن ذلك أيضاً مساواته بالجوهر للآب كذلك مساواة الروح القدس للآب السماوي وبينت الكنيسة متى؟ عندما حل الروح القدس على التلاميذ كانوا مئة وعشرين شخصاً رجالاً ونساء وأطفال والرسل والتلاميذ وكل من كان في العلية يصلي وينتظر هذه الموهبة التي وعد المسيح يسوع تلاميذه أنه يرسل الروح القدس إليهم بكل مواهبه بل أقنوم الروح القدس بالذات حل على أولئك التلاميذ ونالوا شجاعة وبسالة واعترفوا بالمسيح أمام الجمهور بل وبخوا الجمهور اليهودي على الجريمة التي اقترفوها وعندما بكتت ضمائر أولئك الناس قالوا للتلاميذ ماذا نصنع أيها الأخوة قالوا لهم توبوا. فالتوبة أمر ضروري لكل من يريد أن يكون تابعاً للمسيح يسوع وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح فتنالوا المغفرة أنتم وبنوكم.

بهذا المعنى شرح الرسل لكل اليهود الذين كانوا مجتمعين من جميع أنحاء العالم اظهروا لهم الطريق إلى الوصول إلى ملكوت الله بالتوبة والإيمان بالمسيح ولا غرو من ذلك فالرب يسوع عندما بدء تدبيره العلني بالجسد أعلن للناس جميعاً أنه قد اقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل فعندما نحتفل بتجديد الكنيسة لا ترى فقط كيف كانت الكنيسة في بدء سقوط الإنسان من فردوسه إلى الأرض كيف كان الآباء الأولون يعبدون الله ويحاولون أن يرضوا ربنا. كيف كان رئيس العائلة كاهناً له يتشفع أيضاً بها كيف كان عهد موسى أيضاً في الشريعة المكتوبة وقبة الشهادة لا نرى ذلك فقط بل نرى أن الروح القدس كان يعمل دائماً في الإنسان وأن الإنسان الذي يعود ويتوب إلى الله يقبل من الروح القدس فأولئك الذين لم يستحقوا لنقل ذلك أن ينالوا الفداء مثلما نلناه نحن. الرسول بولس يقول عنهم أنهم رقدوا على رجاء مجيء المسيح يسوع واعتبروا أنفسهم غرباء عن هذه الحياة وعندما جاء المسيح وصلب عوضاً عنا ومات ونزل إلى الهاوية بشر أولئك بل أيضاً أقامهم ومنحهم نعمة الخلاص لأنهم كانوا قد آمنوا به وانتظروا مجيئه واشتهوا أن يروه وماتوا ورقدوا قبل أن يأتي فهو قد أحياهم وقبل توبتهم وكافأهم عن كل ما كانوا يؤمنون به لذلك نرى أننا نحن قد نلنا نعمة عظيمة من الله لأننا قد أصبحنا في عداد أولئك الذين افتداهم المسيح بدمه الكريم أصبحنا ضمن ملكوت الله. ملكوت الله كان في السابق في الكتابة أو بالفطرة أما ملكوت الله يقول لنا الرسول بولس ملكوت الله في داخلكم هذا هو العهد الجديد لذلك نحتفل بتجديد الكنيسة العهد الجديد هو كما تنبأ ارميا عن شعب بني إسرائيل أنه يأتي يوم الله لا يحتاج أن يعطينا شريعة مكتوبة بل يجعل شريعته في ضمائرنا.

كيف يكون هذا؟ بوساطة الروح القدس بالذات فحق للرسول بولس أن ملكوت الله في داخلكم. ملكوت الله على الأرض هو الكنيسة المقدسة بالذات وهذه الكنيسة التي هي شرعاً عروس المسيح والمسيح رأسها وهي جسده. هذه الكنيسة بواسطة الروح القدس تتمسك بالإيمان لأن الروح يعلمها كل شيء ويفهمها كل شيء والروح أيضاً يذكر رؤساءها وأيضاً مؤمنيها بما قاله المسيح لهم فنجدد عهدنا مع الرب في أحد تجديد الكنيسة ونرى أن علينا أن نكون أعضاء أحياء في الكنيسة المقدسة لا فقط بالاسم نكون أعضاء المسيح. جسد المسيح هو الكنيسة علينا أن نكون أحياء بالمسيح وإن قطعنا أنفسنا نكون كالغصن الذي يقطع من الكرمة ييبس ويلقى في النار علينا أن نشعر أن وجودنا على الأرض في عداد المؤمنين بالمسيح يسوع ابن الله الحيّ وأن نتمسك بشريعته أيضاً نكون أنقياء نكون في حالة التوبة دائماً لكي نستحق بعد عمر طويل عندما ننتقل من هذه الحياة أن نكون في عداد أولئك الذين تتألف منهم كنيسة الأبكار في السماء فنرث مع الرب يسوع ملكوته إلى الأبد في السعادة الدائمة الحالة التي أتمناها لي ولكم أحبائي باسم الآب والابن والروح القدس آمين.

* نقلاً عن موقع بطريركيتنا الجليلة

838 زيارات

التعليقات مغلقة