فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى 5: 16)
آخر الأخبار

أحد بشارة زكريا

اللحن: الثالث
القراءات:
من رسالة مار بولس الرسول إلى أهل رومية (9: 6ـ 21)
الإنجيل المقدس بحسب البشير لوقا (1: 1ـ 25)
الإنجيل المقدس بحسب البشير لوقا (11: 45ـ 51)

بقلم ـ قداسة سيدنا البطريرك موران مور إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى.

«لا تخف يا زكريّا لأن طلبتك قد سُمعَت وامرأتك أليصابات ستلد لك ابناً وتسمّيه يوحنا… لأنه يكون عظيماً أمام الرب، وخمراً ومسكراُ لا يشرب… أنا جبرائيل الواقف قدام اللّه وأرسلت لأكلمك وأبشرك بهذا» (لو 1: 13 ـ 19).

كان الزمان قد آن لإتمام النبوات التي قيلت على لسان الأنبياء منذ أجيال سحيقة عن مجيء ماشيحا المخلص المنتظر، ليفدي البشرية. وكانت السّماء قبل خمسمائة سنة من ذلك التاريخ قد أرسلت الملاك جبرائيل أحد رؤساء الملائكة إلى بابل، إلى دانيال النبي، الذي كان يواظب في عداد المسبيين هناك على الصلاة ليل نهار. وكان ثلاث مرات في اليوم يفتح شبّاك داره وكانت وجهتُهُ أورشليم المدينة المقدسة وهو يسأل الرب الإله بانتحاب وحزن وكآبة وتوبة ودموع سخينة لينهي فترة سبي شعبه وليعيد الشعب إلى أرضه. ولكن اللّه استجابه لا بعودة قومه إلى وطنه، بل بعودة الإنسان إلى وطنه الأول، إلى فردوس النعيم بعد أن تُغفَر خطاياه.

لذلك حدّد له أيضاً موعد مجيء المخلص الموعود به ماشيحا المسيح المنتظر لكي يقوم بعمل الفداء، فيتبرّر الإنسان من خطاياه الجدّية والشخصيّة وأن يتقدّس، بل أن يصير ابناً للّه بالنعمة. كان ذلك عندما وقف جبرائيل ذاته أمام دانيال ليحدّد له بالأسابيع السبعين المدّة التي بقيت لإتمام وعد اللّه بإرسال المخلص.

منذ ذلك الحين أغلقت السماء أبوابها ولم ترسل ملاكاً آخر إلى الأرض، ولئن ظهر بعض الأنبياء كملاخي النبي مثلاً الذي أوحي إليه ليتكلّم ويكلّم الشّعب ويعلن نبوّته عن مجيء يوحنا المعمدان، الذي سمّاه (الملاك) الذي يهيّئ الطريق أمام الرب، ولكن لم ترسل السماء ملاكاً آخر في تلك الفترة الزمنيّة ليبلغ رسالة من السماء لأحد الأنبياء. وآن الأوان والهيكل قد شُيِّد والكهنة يمارسون وظائفهم من ذبائح حيوانية ومن تقدمات لخبز التقدمة الذي كانوا يغيّرونه كل أسبوع، ولا يحق أكله إلا للكهنة ومن تقديم البخور في مذبح البخور، البخور الذي يرمز بارتفاعه إلى الفضاء إلى صعود صلوات القديسين إلى السماء لتبلغ عرش اللّه تعالى.

كان داود النبي قد قسّم الكهنة إلى أربع وعشرين فرقة، كل فرقة تخدم الكهنوت في الهيكل مدّة محددة، وكان في ملء الزمان قد جاء دور فرقة أبيّا لتخدم الكهنوت مدة أيام الأسبوع. وضربوا قرعة بين كهنة تلك الفرقة ليميّز من بينهم مَنْ سيقدّم البخور، وهذه خدمة كهنوتية سامية ووقعت القرعة على زكريا ذلك الكاهن الشيخ، فدخل إلى مذبح البخور. كان الكاهن عندما يقدّم البخور يقف وراء ستار ثخين جداً ونفيس جداً فلا يراه الشعب، ولكن عندما كان يوقد البخور كان الشّعب يتنسّم رائحته ويراه دخاناً صاعداً إلى السماء، فيقدم صلواته حتى بحسب عقيدته تصعد مع البخور إلى السماء. دخل زكريا إلى مذبح البخور. كانت المبخرة مطليّة بالذهب وكانت النار فيها مشتعلة ويضع فيها البخور رمزاً إلى ما كان قد فعله هرون بأمر الرب عندما أخطأ الشعب، وبلّغ موسى هرون أمر الرب أن يأخذ المجمرة، ويوقد البخور ويبخّر الشعب ليزول عنه وباء الموت. لم يكن لشعب العهد القديم في تلك الأيام مذبح للبخور قبل بناء هيكل سليمان، لذلك كانت المجمرة التي يوضع فيها البخور يأخذها الكاهن بيده ويبخّر الشعب الذي غضب اللّه عليه وبدأ يهلك الواحد بعد الآخر. فبأمر اللّه عندما تنسّم الشّعب رائحة البخور، تطهّر وزال غضب اللّه عنه. عندما بُني الهيكل كان مذبح البخور جزءاً مهمّاً جدّاً منه ويقع إلى جانب مذبح تقدمة الخبز الأسبوعي وملاصقاً لقدس الأقداس ولئن كان مفصولاً عنه ولكن عندما توقد البخور يدخل الدخان إلى قدس الأقداس ويصعد إلى العلاء.

دخل زكريا أمام مذبح البخور وعندما قدّم البخور ارتعب حيث رأى ملاكاً عن يمين مذبح البخور، فارتعدت فرائصه. من لا يرتعب وهو يدخل مذبح الرب وهيكله وهو لوحده لا يُرى حتى من الشعب كما قلنا، لأن الستار الذي يفصله عن الشعب كان ثخيناً جدّاً. من لا يرتعب وهو يقرأ في الكتاب المقدس عن ظهور ملائكة عاقبوا بعض الناس الخطاة بالهلاك. ولذلك كان الكاهن عندما يمارس خدمته الكهنوتية في الهيكل يرتدي حلّته الحبروية التي يعلق في حواشيها السفلى أجراس صغيرة لكي إذا ما تحرّك الكاهن يُسمَع صوت الأجراس وإذا لم يُسمَع صوت الأجراس يعني ذلك أن الكاهن قد أهلكه الملاك في المذبح لأنه قد أخطأ. من هنا جاءت العادة أن نرتّل الترانيم الروحية بمناسبة طقس تقديس البيعة، ونقول: «إن اللّه دعا موسى من العليقة قائلاً له: كن لي وكيلاً على خيمة الاجتماع وما فيها، وقم بالخدمات الكهنوتية. كما يقول له أيضاً ادعُ الكهنة ليدخلوا إلى قدس الأقداس، وقل لهم أن يغسلوا أيديهم وينقوا قلوبهم وهم داخلون المذبح لأنهم يخدمون النار (الإلهية)».

أجل، ارتعب زكريا وهو يتذكّر كل ما كان يحدث لمن لا يكون من الكهنة نقيّاً طاهراً عندما يدخل مذبح الرب ليقوم بخدمة كهنوتية. ما أعظم الكهنوت!!. وما أعظم مسؤوليّة الكاهن عندما يقف أمام الرب ويمثّل الشعب كله ويطلب المغفرة له وللشعب. لذلك لا نلوم زكريا الذي ارتعب عندما رأى ملاكاً أمامه، ولكن الملاك هدّأ من روعه قائلاً له: لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعَت وامرأتك أليصابات ستلد لك ابناً وتسمّيه يوحنا أي الحنان والرحمة، ويقول عن هذا المولود أنه يكون عظيماً أمام اللّه، خمراً ومسكراً لا يشرب ويذكّره بأن له رسالة سامية هي أن يهيّئ الشّعب لتقبّل ماشيحا الذي سيأتي لخلاص البشريّة. زكريّا رغم أنه كان يعرف كل ما حدث في العهد القديم من علامات في ظهور الملائكة، بدءاً من ابراهيم أبي الآباء الذي كانت امرأته سارة عاقراً وبشيخوختها، كانت قد بلغت تقريباً مائة سنة، حبلت وولدت اسحق لأنه هكذا كانت إرادة اللّه، مع هذا شك زكريا: كيف يكون لي هذا وأنا شيخ وأليصابات عبرت في أيامها. شكوكه سبّبت له العقاب، فحكم عليه الملاك أن يبقى صامتاً حتّى يرى بأم عينه الحدث الذي سيتم بميلاد ابنه يوحنا المعمدان. ويقول له الملاك: أنا جبرائيل الواقف أمام اللّه، أُرسلت لأخبرك وأبشّرك بهذا. وحيث أن مدّة وجود زكريا في الهيكل قد طالت، استبطأه الشّعب، خاصةً وأن أجراس حلته الكهنوتية قد صمتت، إذن توقفت حركة زكريا، فهل يا ترى قد ضربه ملاك الرب في الهيكل!؟ واستبطأ الشعب زكريا ولما أتمّ زكريا وضع البخور خرج من الهيكل، فرآه الشعب وفرحوا لأنه كان ما يزال حيّاً. وإذ لم يستطع زكريا أن ينطق ببنت شفة أي بكلمة واحدة، أشار إليهم بأنه قد رأى رؤيا في الهيكل. لوقا البشير كان طبيباً وكان منطقيّاً عندما دوّن هذه الحوادث وقد اتّبع التسلسل المنطقي في سردها، فهو يذكّرنا بأمور نحن بأمسّ الحاجة إلى معرفتها فيقول عن زكريا أنه أتمّ نوبته بإيمانه أن ما سيحدث سيحدث طالما الملاك بشّره به، فأتمّ نوبته أي خدمته في مدّة ثمانية أيام ثم ذهب إلى بيته، وعرف امرأته معرفة زواج فحبلت وبقيت مختفيةً مدّة خمسة أشهر، وفي الشهر السادس أُعلن حبلها، لأن الملاك جبرائيل نفسه عندما بشَّر العذراء مريم قال لها: هذا هو الشهر السادس لتلك المدعوّة عاقراً أي أليصابات. ليس عند اللّه أمر عسير، لأن اللّه عندما يريد أن يحدث شيء، يحدث وهو خالقنا وهو رازقنا وهو المعتني بنا ومجيب طلباتنا وصلواتنا.

بعد أن حبلت أليصابات ولتواضعها أخفت ذلك عن الناس خمسة أشهر وزارتها العذراء مريم في الشهر السادس، كان الملاك جبرائيل قد قال لزكريا عن يوحنا أنه يمتلئ من الروح القدس وهو في بطن أمه، وقد ظهرت مفاعيل الروح القدس إتماماً لقول الملاك عندما زارت العذراء مريم أليصابات. يوحنا وهو جنين ابن خمسة أشهر وبدأ بالسادس ارتكض في أحشاء أمه. أليصابات باركت العذراء مريم وهنّأتها بقولها: «عندما وقع صوت سلامكِ في أذنَيّ»، قالت أليصابات للعذراء «ارتكض الجنين بابتهاج في بطني فطوبى للتي آمنت أن يتمّ ما قيل لها من قبل الرب». هذه الأمور النبوية تحثّنا دائماً على التأمّل بالكتاب المقدس والحوادث التي جرت للقديسين والقديسات لكي نؤمن بأن اللّه وراء كل أمر يحدث لنا وخاصةً كل شيء يثبِّت إيماننا به تعالى.

عندما نقرأ الإنجيل المقدس وخاصةً نقرأ هذه القصص التي نراها بسيطة، علينا أن نتصوّر ما جرى لهؤلاء الأنبياء المختارين من الرب لإتمام مشيئته على الأرض، كيف كانت هذه الأمور، مقبولة لدى هؤلاء المؤمنين الذين يلهجون بناموسه ليل نهار، ونقتدي بهم. إذا كان الملاك قد بشّر زكريا فكل واحد منّا له ملاك، له ملاك يحرسه وله ملاك يلهمه لعمل الخير والابتعاد عن الشر. فلننصت إلى ملاكنا ولئن كنا لا نراه بعيوننا البشرية المجرَّدة ولكن بإيماننا يجب أن نشعر بوجوده حيث يوحي لنا أن الرب هو معنا.

أحبائي: الدرس الذي نتعلّمه من حادثة بشارة الملاك لزكريا عن حبل اليصابات وولادتها يوحنا ما قاله الإنجيل المقدس عن زكريا وأليصابات، كانا بارَّين يقول الكتاب المقدس، وكانا مكمّلين شريعة اللّه وأحكامه، أي ليس فقط مثلاً أن يكمل الإنسان من بني إسرائيل الوصايا العشر بل هناك أحكام، هناك فروض، من الفروض التي يجب أن نمارسها، أن نصوم وأن نصلي، وأن نقدّم الصدقات، وأن نساعد الناس، هذه فروض لا بدّ أن نقوم بها أمام اللّه لكي نكون بارِّين مثل زكريا وأليصابات. وأمر آخر عندما نصاب ببلية ـ لا سمح اللّه ـ أن نصطبر ونتحمّلها ونطلب من اللّه ولئن تأخرت الإجابة، ولا نُستجاب لأن عدم استجابة اللّه لنا بسرعة هي الاستجابة، أن نطلب من اللّه أن يستجيبنا ونصلي ونصلي ونصلي، لا نملّ أبداً أن نقتدي بزكريا وأليصابات حيث أنهما تحمّلا عار العقر الذي كان يعد في أيامهما عقاباً من اللّه، ولكن اللّه نظر إلى إيمانهما وصبرهما وبرّهما فكانا بارّين فاستجاب لهما في الوقت الذي شاء اللّه أن تكون الاستجابة. فالرب هو الذي يرحم، الرب هو الذي يلهم، الرب هو الذي يحتّم ويعيّن الوقت الذي تُستجاب فيه صلواتنا بشفاعة زكريا وأليصابات وجميع القديسين. ليعطنا الرب أن نكمّل شرائعه الأدبية وفرائضه تعالى، لنكون مقبولين لديه تعالى وليستجيب طلباتنا التي تؤول إلى خلاص نفوسنا ونعمته تشملكم دائماً أبداً آمين.

* نقلاً عن موقع بطريركيتنا الجليلة

936 زيارات

التعليقات مغلقة