فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى 5: 16)
آخر الأخبار

أحد بشارة العذراء مريم

اللحن: الرابع
القراءات:
رسالة مار بولس الرسول إلى أهل غلاطية (3: 15ـ 22)
الإنجيل المقدس بحسب البشير لوقا (1: 26ـ 38)

بقلم: قداسة سيدنا البطريرك موران مور إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى.

«فدخل إليها الملاك وقال لها: السلام لكِ أيتها المنعم عليها الرب معكِ مباركة أنتِ في النساء. لا تخافـي يا مريم، إنكِ قد وجدتِ نعمة عند الله وها أنتِ ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيماً وابن العلي يُدعَى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية» (لو 1 : 28-33).

أيها الأحباء: الطقس الكنسي في هذا اليوم يذكر بشارة السيدة العذراء بالحَبَل الإلهي، وهذا الأحد ليس هوعيد البشارة بل أحد البشارة، أحد الآحاد التي تسبق عيد الميلاد، والكنيسة عَنَت بذلك أن تُهيِّىء قلوبنا وأفكارنا لتَقَبُّل سر التجسد الإلهي وميلاد الرب يسوع الذي هو الله ظهر بالجسد.
والإنجيل الذي تُليَ على مسامعكم في بدء القداس، الإصحاح الأول من بشارة البشير لوقا فيهِ سمعنا عن الملاك جبرائيل الذي جاء إلى الناصرة إلى مدينة صغيرة واعتُبِرت أيضاً حقيراً بالنسبة إلى ذلك الجيل لأنهم لم يكونوا يتصوَّرون أنَّ هذهِ القرية أو المدينة الصغيرة ستنال شرفاً عظيماً حيث سيولد فيها الرب يسوع أو يتربى وينشأ ويُدعى ناصرياً.

رأينا جبرائيل الذي ندعوهُ ملاك العهد الجديد بعد أن انقطعت السماء عن إعلان الحقائق الإلهيَّة لأبناء الأرض مدة طويلة، رأيناهُ يأتي إلى بابل حيثُ كان بنو إسرائيل قد سُبوا إلى تلك المدينة العظيمة الشهيرة وكانوا تحت حكمٍ قاسيٍ جداً، كان هناك بين المسبيِّين شخصٌ تقيٌّ يخاف الله يُصلي في اليوم ثلاث مرات يفتح كوَّةَ دارهِ متَّجهة نحو أورشليم ينتحب ويبكي ويطلب من الرب متى ينتهي السبي ويعود الشعب إلى مدينتهِ، إلى هيكلهِ، إلى ذبائحهِ وقرابينهِ، ويأتيهِ الملاك جبرائيل ليُعلن لهُ أنَّ الله قد حتَّمَ ليس فقط بإعادة الشعب إلى مدينته ِبل بإعادة الإنسان إلى وطنهِ الأول إلى فردوس النعيم يُبشِّرهُ بأن المخلص سيأتي، المخلص الذي أُعلِنَ في النبوات وأخبرَ عنهُ الأنبياء بوحيِ السماء، الذي عندما سقطَ الإنسان في الخطيئة جاءهُ الخبرُ من السماء بل أعلنَ الله في تلكَ اللحظات أن نسل المرأة يسحق رأس الحية أي إبليس وهذا النسل لا الأنسال كما يقول الرسول بولس كانَ المسيح بالذات الذي ليسَ إبنَ الإنسان فقط بل وُلدَ من إمرأة بدون زرعِ رجل.

جبرائيل يُعلن هذهِ الحقيقة في إشعياء أنَّ هذهِ المرأة هي بتول، فيُعلن إشعياء نبوةً عظيمة قبلَ أن يأتي جبرائيل إلى دانيال ويقول: «هوذا العذراء تحبل وتلدُ إبناً وتدعوهُ عمانوئيل الذي تفسيرهُ الله معنا».
أما جبرائيل عندما أتى إلى بابل أعلن للنبي دانيال عن مجيء مسيَّا المسيح المخلِّص وحدَّدَ لهُ الوقت والزمان بمدة خمسمئة عام منذُ ذلك التاريخ، النبوة التي ندعمها نبوة الأسابيع السبعين، سبعون أسبوعاً قُضيت على مدينتكَ وعلى شعبكَ.
يُعلن ذلك ليضع جبرائيل دانيال موضع نبوة عظيمة وأمل ورجاء ثابت لهذهِ الأسابيع السبعين لأنَّ الإنسان كان قد ظنَّ أن الزمان قد طال، أينَ هو مسيَّا، أينَ هو المسيح، أينَ هو المخلِّص، والإنسان يرزح تحتَ ثقل خطاياهُ وأثامهُ يومياً، يوماً بعدَ يوم تزيد هذهِ الآثام.
ومضت الدهور إثرَ الدهور والإنسان بانتظار وأُعلنت هذهِ النبوة وعرفَ بها كل إنسان، أولاً النبوة التي أعلنها إشعياء عن العذراء التي تلد، ثانياً نبوة المدة الزمنية عن الأسابيع السبعين، ثم امتنعت السماء عن الكلام مع الأرض رغم أننا نحنُ رأينا النبوات عبر الدهور والأجيال تظهر للإنسان وتقوي الرجاء في قلبهِ.

أخيراً نرى جبرائيل الذي سمَّيناهُ ملاك العهد الجديد ملاك التجسُّد بعدَ أن يُعلن تلك الحقيقة عندما آن الأوان وتقريباً تمَّت الأسابيع السبعون يقف كما قلنا أيضاً في الأحد الماضي عن يمين هيكل البخور ليُبشِّر زكريا بولادة يوحنا السابق للرب يسوع الذي أُظهِر بغيرة إيليا ليُبشر الشعب ويُعيدهُ إلى الله قبل مجيء المسيَّا.
بعدئذٍ أيها الأحباء نرى جبرائيل في بيتٍ بسيط كما يقول طقسنا السرياني أنَّ هذهِ العذراء كانت تصلي، كانت مخطوبة لرجل إسمهُ يوسف، العذراء بخلاف ما يقول بعضهم لم تكن قد نذرت البتولية لأنهُ لم يكن في ذلك الزمان نذور كهذه وكانت كل فتاة في إسرائيل تتمنى أن تتزوج وتتمنى أن يولد منها المخلِّص الذي يُخلِّص العالم لذلك لم يكن هناك نذور بتولية أبداً، العذراء كانت ربيبة الهيكل، هي من نسل داود حسب النبوات أيضاً وكان خطيبها أيضاً من نسل داود وكانت العادة في تلك الأيام أن الفتاة اليتيمة الكهنة يتبنوها وعندما يحين وقت زواجها هم يهتمون بذلك، وألقوا قرعة بين أولئك الأقرباء الذين يحق لهم أن يتزوجوا هذهِ الفتاة فكانت من نصيب يوسف.
هل كان يوسف أرملاً .. هل كان بتولاً ؟ كل هذا لا يُوضَّح إنما يوسف اختيرَ من الله أن يكون خطيباً للعذراء مريم وكان لابد أن يكون خطيب لها لكي يصون هذهِ العذراء من الناس الظالمين الذين بعدئذٍ عندما ولدت الرب يسوع اتَّهموها أيضاً إتهاماً باطلاً، لذلك أيها الأحباء يوسف كان حارساً لبتولية العذراء، والعذراء عندما بشرها الملاك أعطاها السلام، حيَّاها: السلام لكِ أيتها الممتلئة نعمةً الرب معكِ مباركة أنتِ في النساء، خافت العذراء مريم من ظهور الملاك، لا تخافي يا مريم قال لها الملاك إنكِ ستحبلين وتلدينَ إبناً وتُسمينهُ يسوع هذا يكون عظيماً وابن العليّ يُدعى ويُعطيهِ الرب الإله كرسي داود أبيه ويملك على آلِ يعقوب إلى الأبد ولا يكون لمُلكهِ إنقضاء.
العذراء تسأل السؤال، كيفَ يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً؟ فيشرح لها: الروح القدس يحُلُّ عليكِ وقوة العليّ تُظلِّلُكِ لذلك فالقدوس المولود منكِ يُدعى إبن الله، حالاً العذراء قالت: ليكن لي كقولك.

كل نعمة ننالها من ربنا إذا لم نقبلها بإرادتنا لا نستحقها فتزول عنا، فلو لم تكن العذراء مريم بإرادتها وتقول بكل وضوح أنها قبلت بهذا الأمر ليكن لي كقولك لَما كان سرُّ التجسد من العذراء.
طبعاً سنرى في الآحاد القادمة عن شكوك يوسف ونرى أيضاً بعدئذٍ عن ميلاد الرب يسوع السر العظيم سر التجسد الإلهي، عن الرب الذي ظهرَ حقاً بالجسد وهو الله ، نرى كل ذلك ونؤمن مع العذراء مريم ونؤمن أنها كانت تحفظ الكلام بقلبها لأنها كانت في صلاة مستمرة مع الله.
هذهِ هي العذراء مريم التي تعلَّمنا من الملاك أن نُعطيها الطوبى وهيَ نفسها قالت بعدَ ذلك هوذا منذ الآن تُعطيني الطوبى جميع الأجيال لأنَّ القدير صنعَ بي عَظائم واسمهُ قدوس ورحمتهُ إلى جيل الأجيال للذين يتَّقونهُ. فنحنُ نُحيِّييها في ختام كل صلاة، نُكرِّرُ السلام الذي قالهُ لها الملاك جبرائيل السلام لكِ يا مريم الممتلئة نعمة الرب معكِ مباركة أنتِ في النساء، وهذهِ العبارة قالتها أيضاً بعدئذٍ إليصابات عندما زارتها العذراء مريم وقالت من أينَ لي هذا أن تأتي أمُّ ربي إليَّ، أعلنت أنَّ العذراء مريم هي أم الرب بل هي والدة الرب والدة الإله كما قال آباؤنا وعلَّمونا بوحيِ السماء.

فهذا اليوم يوم البشارة أو أحد البشارة الذي يُهيِّىءُ عقولنا جميعاً لتقبُّل سر التجسد الإلهي، هذهِ العقيدة السامية أساس كلِّ العقائد المسيحية.

ليكن هذا اليوم مباركاً عليكم أحبائي ليملأ الرب فيهِ وفي كل يوم قلوبنا بالإيمان بأنَّ الله ظهرَ بالجسد وأنَّ العذراء التي كانت عذراء قبلَ الولادة وفي الولادة وبعدَ الولادة، هذهِ العذراء الممتلئة نعمة هيَ تكون شفيعة لنا في حياتنا وحتى عندَ مماتنا كما نُصلي السلام لكِ يا مريم ونطلب منها أن تكون معنا وتُقوينا في ساعة موتنا ومُغادرتنا هذهِ الحياة في تلكَ الساعة الرهيبة نحتاج إلى مَن يُصلي لأجلنا ونِعمَ مَن يُصلي لأجلنا هو العذراء مريم.
لِتُبارككم السماء بصلاة العذراء مريم أيها الأحباء وكل عام وأنتم بخير.

* نقلاً عن موقع بطريركيتنا الجليلة

1,080 زيارات

التعليقات مغلقة