فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى 5: 16)
آخر الأخبار

أحد زيارة العذراء لأليصابات

اللحن: الخامس
القراءات:
رسالة مار بولس الرسول إلى أهل غلاطية (3: 23ـ 29)
الإنجيل المقدس بحسب البشير لوقا (1: 39ـ 56 و10: 38ـ 42)

«وقامت مريم في تلك الأيام وذهبت بسرعة إلى الجبال إلى مدينة يهوذا ودخلت بيت زكريا وسلّمت على أليصابات» (لو 1: 39 و40)

بقلم قداسة سيدنا البطريرك موران مور إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى.

يحيا القديسون على الأرض حياة طهر ونقاء، وبهجة روحية وسعادة، ويتزاورون ليتبادلوا الخبرات الروحية، وليشجّع بعضهم بعضاً على تحمّل أعباء الحياة الدنيا ومواصلة الجهاد ضد إبليس وجنده للحفاظ على الشركة مع اللّه تعالى، تلك الشركة المقدسة التي تظهر ثمارها الطيبة بمحبة المؤمنين للّه تعالى التي يبرهن عليها المؤمنون بمحبتهم القريب. كما تعرف هذه الشركة مع اللّه بشركة المؤمنين بعضهم مع بعض على هذه الأرض خاصّة بوحدة الإيمان والتحلّي بالمزايا الصالحة والسيرة الفاضلة. ويتجاذب القديسون أطراف الحديث الروحي، وإذا كان اجتماع المؤمنين الأتقياء باسم الرب يسوع، يكون الرب في وسطهم فقد وعدهم بذلك بقوله: «حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم» (مت 18: 20).

أيها الأحباء: يصادف هذا اليوم في الطقس الكنسي أحد زيارة العذراء مريم لنسيبتها أليصابات، ويتناول البشير لوقا في الفصل الأول من بشارته موضوع هذه الزيارة بالتفصيل. فالزائرة هي العذراء مريم، الفتاة التي بشّرها الملاك جبرائيل بالحبل الإلهي، ولمّا استفسرت منه عن كيفيّة ذلك لأنها عذراء ولم تعرف رجلاً، قال لها: «الروح القدس يحلّ عليكِ وقوّة العلي تظللكِ فلذلك أيضاً القدوس المولود منكِ يُدعَى ابن اللّه» (لو1: 35)، ولكي يزيد إيمانها ثباتاً ورسوخاً ذكر لها حدثاً مشابهاً، ولئن كان أقلّ عجباً قائلاً: «وهوذا أليصابات نسيبتكِ هي أيضاً حبلى بابن في شيخوختها، وهذا هو الشهر السادس لتلك المدعوّة عاقراً، لأنه ليس شيء غير ممكن لدى اللّه. فقالت مريم هوذا أنا أمة الرب ليكن لي كقولك» (لو1: 36 ـ 38). أجل إن أموراً عديدة شجّعت العذراء مريم على القيام بزيارة نسيبتها أليصابات. أولها إيمانها بما قاله لها الملاك، فقد شعرت بالحبل الإلهي حالما آمنت بما أعلن لها ورضخت بقولها: «ها أنا أمة الرب ليكن لي كقولك»، وبهذا الصدد يقول أحد آباء الكنيسة على لسان الملاك جبرائيل: ܠܥܶܠ ܐܪܦܝܬܗ ܘܨܐܕܰܝܟܝ ܐܫܟܰܚܬܗ لقد غادرتُه في السماء ووجدتُه عندكِ. وهذا يعني أن الرب حلّ في العذراء حالما رضيَت العذراء بأن تحمل هذه الرسالة السّامية وهي أن يولد المسيح منها بالجسد.

أما في زيارتها أليصابات فقد أرادت أن ترى بأم عينها صحّة خبر الملاك عن حبل أليصابات العجيب في شيخوختها، ولتهنّئها بما أنعم اللّه عليها وتفرح معها، كما أن الصداقة الحقيقية تظهر بمشاركة الصديق صديقه أفراحه وتخفيف المشقّات عنه، وتظهر في مشاركتهم أفراحهم وفي هذه الحالة التجرّد من الأنانية والحسد، ولذلك فالرسول بولس يوصينا قائلاً: «افرحوا كل حين» (1تس5: 16)، «افرحوا في الرب» (في 3 : 1 و 4: 4)، «فرحاً مع الفرحين وبكاءً مع الباكين» (رو 12 : 15). هذه هي القاعدة المسيحية التي عليها تبنى الصداقة النقيّة، إنها مشاركة الأصدقاء أفراحهم وأتراحهم بصدق وإخلاص بودٍّ صافٍ وبمحبة خالصة، لا بنفاق ورياء ودجل كما يفعل أغلب أهل العالم الذين يعلّم بعضهم بعضاً بما يُسمّى فن كسب الأصدقاء والتأثير في الناس. كما أن مريم الفتاة اليتيمة، وهي تمرّ بتجربة الحبل الفائق للطبيعة كانت بحاجة ماسّة إلى أم تسند إلى صدرها رأسها، وتبوح لها بسرها العميق، وقد وجدت هذه الأم بشخص نسيبتها أو خالتها أليصابات، فجاءتها مسرعة بروح الإيمان والرجاء والمحبّة والاتضاع والجرأة والاهتمام بالغير. قامت مريم بسرعة وذهبت إلى الجبال، إلى مدينة يهوذا غير مبالية بمشقّة الطريق، فمدينة يهوذا تبعد عن الناصرة حيث كانت العذراء مريم مسافة نحو مائة ميل كانت تقطع مشياً على الأقدام مدة خمسة أيام، ومدينة يهوذا هذه على الأرجح هي مدينة حبرون، وهي اليوم مدينة الخليل. وقد تشرّفت أن سكن فيها إبراهيم أبو الآباء مدة طويلة وفيها قبر سارة زوجته.

في بيت زكريا، هذا البيت الكريم المقدّس وقد يكون بيتاً بسيطاً، ولا يكون البيت بيتاً رفيع العماد كريماً مباركاً بأهمية موقعه ونفاسة حجارته أو حسن هندسته ولا بأثاثه بل بسكانه، فبيت زكريا ضمّ زوجَين بارَّين أمام اللّه سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم، كما يشهد الإنجيل المقدس، ففاحت في بيتهما رائحة القداسة، بل صعدت التسابيح للرب ليل نهار.
دخلت العذراء بيت زكريا، وسلّمت على أليصابات. فلمّا سمعت أليصابات سلام مريم، ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت أليصابات من الروح القدس وصرخت بصوت عظيم وقالت: «مباركة أنتِ في النساء ومباركة هي ثمرة بطنكِ، فمن أين لي هذا أن تأتي أم ربي إليّ، فهوذا حين صار صوت سلامك في أذني ارتكض الجنين بابتهاج في بطني، فطوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب»(لو 1: 42 ـ 45). وقد قال بعض المفسِّرين: أنه لو سلّمت العذراء على زكريا لفكّت عقدة لسانه وجاوبها، ولكن إرادة اللّه شاءت أن يتمّ ما حكم به الملاك على زكريا بأن يبقى صامتاً حتّى يرى ميلاد يوحنا، لذلك لم تسلّم العذراء عليه، وسلّمت على أليصابات. ما أعظم تأثير هذا السلام، فعلى إثره امتلأت أليصابات من الروح القدس. هكذا تأتينا البركات الروحية عندما يزورنا الأتقياء ونزورهم ونعاشر الأبرار والقديسين. امتلأت أليصابات من الروح القدس ونالت السلام الروحي والفرح العظيم ووضع الروح على لسانها كلام الملاك للعذراء مريم يوم بشّرها بالحبل الإلهي فكرّرته قائلةً: مباركة أنتِ في النساء، وأضافت عليه كلاماً آخر: ومباركة هي ثمرة بطنكِ، ثم أردفت هذا الكلام بعبارة نبويّة سماوية معترفة بالمسيح الإله قائلةً: «من أين لي هذا أن تأتي أم ربّي إليّ» (لو1: 43). إن هذا القول خطير جداً لا يمكن أن تقوله أليصابات إلا ويكون الروح القدس الحال فيها قد ألهمها به، ولا يمكن أن يهودياً موحّداً نظير لوقا البشير يلفّقه على لسانها، فهو ما كان ليدوّنه في بشارته ما لم يكن قد سمعه من مصدر موثوق به قد تكون العذراء ذاتها أو أليصابات ذاتها. إن هذه الشيخة أليصابات كانت زوجة كاهن جليل وهي موحِّدة، ولكن الروح قد أنطقها بالحقيقة الإلهية، ألا وهي العقيدة الإيمانية السمحة بأن يسوع المسيح هو الرب الإله، ويقول الرسول بولس بهذا الصدد: «وليس أحدٌ يقدر أن يقول يسوع ربٌّ إلا بالروح القدس»(1كو 12: 3). إن أساس العقائد المسيحية هو أن يسوع المسيح هو الرب الإله، وهو ابن اللّه فليست العذراء أم اللّه وحسب، بل هي والدة الإله المتجسّد «اللّه ظهر بالجسد» (1تي 3: 16) على حدّ قول الرسول بولس، حيث أن اللّه حلّ في أحشائها واتّحد لاهوته مع الناسوت ووُلد منها، فحقّ لها أن تُدعى «ܝܠܕܬ ܐܠܗܐ» والدة الإله. ومن تنكّر لهذه العقيدة يعد غريباً عن المسيحية كنسطور الذي أبى أن يسمي العذراء أم اللّه، ودعاها فقط أم يسوع أو أم المسيح، فاجتمع المجمع المسكوني الثالث في مدينة إفسس عام 431م برئاسة القديس كيرلّس الإسكندري، وحرم نسطور معلناً أن عقيدة المسيحية السمحة هي: أن العذراء مريم هي أم اللّه، بل هي والدة اللّه «ܝܠܕܬ ܐܠܗܐ» مفتتحاً بيانه بقوله: نعظّمك يا أم النور الحقيقي، ونمجّدك أيتها العذراء القديسة والدة اللّه.

وأليصابات في نشيدها تعلن حقيقة أخرى، وهي أن الأجنّة في بطون أمّهاتهم مشمولون بعناية اللّه ورعايته، وإذا كان الأجنّة مشمولين بعناية اللّه، يعني ذلك أن اللّه يريد أن يشعر الوالدان بمسؤوليتهما تجاه هذا الجنين والعناية به، فالإجهاض قتل. فهذا يوحنا وهو جنين امتلأ من الروح القدس وارتكض فرحاً، تحرّك فرحاً وبهجةً لاستقبال ربّه، وربّه كان أيضاً جنيناً في أحشاء والدته والعذراء مريم بعد أن أكملت أليصابات الترنيم بنشيدها الارتجالي، بدأت تسبحتها التي تنشدها كنيستنا كنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكسية صباح كل يوم في طقوسها، ولم يقل لوقا أن الروح حلّ على العذراء مريم كما قال عن أليصابات: «وامتلأت أليصابات من الروح القدس» (لو1: 41) لأن العذراء التي كانت قد امتلأت من الروح، بل كان نار اللاهوت قد حلّ في أحشائها، فقد كان الروح القدس حالاًّ فيها، لذلك جاءت تسبحتها من أجمل ما قيل من التسابيح في الكتاب المقدّس وأسماها، وهي تضاهي أبدع مزامير جدّها داود. فقالت مريم: «تعظّم نفسي الرب، وتبتهج روحي باللّه مخلّصي، لأنه نظر إلى اتضاع أمته، فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوّبني لأن القدير صنع بي عظائم واسمه قدوس ورحمته إلى جيل الأجيال للذين يتّقونه» (لو1: 46 ـ 50). تعظّم نفسي الرب: صلواتنا الطقسية كلها شكر للّه وتعظيم له تعالى. لغة الشكر أسمى لغة، ولكن بعض المؤمنين بعد أن يكون قد استجيبت طلباتهم التي كانوا قد سألوا اللّه تعالى بصلواتهم ينسون الشكر، رأينا البرص العشرة الذين طهّرهم الرب يسوع، ولم يرجع منهم سوى واحد ليشكر الرب، وهذا الواحد كان غريب الجنس، فقال له الرب: «أليس العشرة قد طهروا فأين التسعة؟» (لو17: 17). فهل وقفنا أمام اللّه لنشكره على إنعاماته الكثيرة، أم أن صلواتنا كلّها طلبات دنيويّة؟!. حتى هذه الطلبات إذا استجيبت أيضاً ننسى أن نشكر اللّه عليها، أما العذراء مريم فتشكر اللّه وتعظّمه تعالى على ما أنعم عليها وتنبّأت أن جميع الأجيال تطوّبها، بقولها: إن الرب نظر إلى اتضاعها، لأن القدير صنع بها عظائم، وتذكّر المواعيد الإلهية لجدّها إبراهيم ونسله، وعلى ما صنعه نحو أعداء شعبه: أنزل الأعزّاء عن الكراسي، وما صنعه نحو كنيسته إذ رفع المتواضعين. مكثت العذراء نحو ثلاثة أشهر وقبل أن تلد أليصابات ابنها يوحنا، عادت العذراء مريم إلى بيتها في الناصرة منتظرة يومها السعيد، يوم تلد الرب يسوع مخلص العالم.

أحبائي: ونحن نتأمّل في هذه الحادثة المقدسة أموراً عديدة لا بدّ أن نستفيد منها فبيت زكريا وأليصابات كان بيتاً مثالياً، تضوعّت في جنباته رائحة بخور الحمد والشكران ورائحة الطهر والقداسة. فهلاّ كانت بيوتنا كذلك. رأينا زيارة العذراء مريم لأليصابات وما تخللها من أحاديث روحية عميقة، بينما زيارات بعض المؤمنين اليوم تشوبها أحاديث ماجنة خارجة عن أصول الأخلاق المسيحية، وهي خليط بين حديث الكبرياء بوصف النفس بما لا تستحقه، وبين أكل لحوم البشر والاتهام بالشرور ومصدر كل ذلك قلّة الإيمان والحسد والبغضة والحقد. كما نتعلّم من زيارة العذراء مشاركة الناس أفراحهم والابتعاد عن ذمّهم ونسب نجاحهم إلى الحظ، لا إلى الاستقامة وعمل الخير ومحبّة الناس.
واليوم وفي كل يوم من أيام حياتنا علينا إتماماً لنبوّة العذراء، أن نعظّمها، ونعطيها الطوبى، ونتشفّع بها بتكرار كلمات الملاك وأليصابات: «السلام لك يا مريم العذراء الممتلئة نعمة، الرب معك، مباركة أنتِ في النساء ومبارك ثمرة بطنكِ يسوع، يا مريم القديسة يا والدة الله صلي لأجلنا نحن الخطاة الآن وفي ساعة موتنا آمين»، نلتمس من العذراء أن تزور دورنا كما زارت أليصابات، مثالها تابوت العهد الذي مكث في بيت عوبيد ثلاثة أشهر فبارك الرب عوبيد وكل بيته (2صم 6: 11)، فهل تزرونا العذراء؟ هل يزورنا يسوع ابنها؟ ذلك يكون إن اجتهدنا في حفظ وصايا اللّه وأحكامه والتمسك بالإيمان به وممارسة الفروض التي علينا أن نتقدم بها بتقوى اللّه من صوم وصلاة وتوزيع الصدقات على المحتاجين فنستحق بعد العمر الطويل أن نرث ملكوته السماوي، الحالة التي أتمنّاها لي ولكم بنعمته تعالى آمين.

* نقلاً عن موقع بطريركيتنا الجليلة

956 زيارات

التعليقات مغلقة