فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى 5: 16)
آخر الأخبار

عماد الرب يسوع

بقلم قداسة سيدنا البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى

«كان صوت من السموات أنت ابني الحبيب الذي به سررت» (مر 1: 11)

عاش الرب يسوع، بعد ميلاده العجيب في الجسد، كسائر أترابه في بلدة الناصرة، ولكنه امتاز عنهم باستقامته، ونقاء سيرته، والى ان بلغ الثلاثين من عمره، كان يعرف بالنجار ابن مريم (مر 6: 3) وابن النجار (مت 13: 55) أي ابن يوسف النجار، وقد صمت الأنجيل المقدس عن ذكر مجريات حياته اليومية في تلك الفترة الزمنية. فلم يذكر إلا زيارته للهيكل، عندما بلغ الثانية عشرة من عمره، السن التي كان الفتى اليهودي يدعى فيها ابن الشريعة، وعليه أن يحفظ الناموس والفرائض ويزور الهيكل ليظهر أمام الرب. ويذكر الأنجيل المقدس، ان العذراء مريم ويوسف خطيبها، فقدا الصبي يسوع بعد انتهاء زيارتهما لاورشليم، وإذ ظناه بين الرفقة، ذهبا مسيرة يوم في طريق عودتهما إلى الناصرة، ولما طلباه ولم يجداه بين الأقرباء والمعارف، عادا أدراجهما إلى أورشليم ليفتشا عنه «وبعد ثلاثة أيام وجداه في الهيكل، جالساً في وسط المعلمين، يسمعهم ويسألهم، وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه وأجوبته، فلما أبصراه، اندهشا، وقالت له أمه: يابني لماذا فعلت بنا هكذا، هوذا أبوك وأنا كنا نطلبك معذبين، فقال لهما: «لماذا كنتما تطلبانني ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي» (لو 2: 46 ـ 49). بهذه العبارة أعلن الرب يسوع حقيقة بنوته للّه الآب، هذه العقيدة السمحة التي أوضحها الآب السماوي بصوت جاء من السماء قائلاً للرب يسوع: «أنت هو ابني الحبيب الذي به سررت»، وسمع هذا الصوت الإلهي جمهور من الناس على ضفاف نهر الأردن، وكان يسوع يومذاك قد بلغ الثلاثين من عمره، وقد جاء من ناصرة الجليل إلى يوحنا ليعتمد منه(مت 3: 13)، وكانت المسافة بين ناصرة الجليل ونهر الأردن مسيرة يوم كامل، مشاها الرب يسوع، وحالما التقى يوحنا، طلب منه أن يعمده، ولكن يوحنا امتنع عن ذلك قائلاً له: «أنا المحتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إلي، فأجاب يسوع وقال له: اسمح الآن، لأنه هكذا يليق أن نكمل كل برٍّ، حينئذ سمح له»(مت 3: 14 و 15). وهذا البر الذي أراد يسوع أن يكمله هو بر التواضع، الذي بدأ فيه بتجسده، إذ اختار العذراء مريم الفتاة الفقيرة اليتيمة المسكينة أمّاً له، لقداستها وطهرها ونقاوتها وعفتها، وولد منها في بلدة بيت لحم أفراته المتواضعة، في مغارة بسيطة، حيث قمطته ووضعته في مذود، وكرمته السماء، فأرسلت الملائكة لتبشر الرعاة البسطاء، ولتنشد ترنيمتها الخالدة «المجد للّه في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة»(لو 2: 14). أما عماده من يوحنا، فقد كمل به البر، إذ قدم لنا أعظم مثل بالتواضع، عندما جاء إلى يوحنا المعمدان وطلب منه أن يعمده كأي خاطئ آخر، وهو وحده، ممن لبس الجسد، بريء من الخطية. فإذا كان الخطاة قد اعترفوا بخطاياهم الشخصية ونالوا المغفرة بالتوبة التي قدموها على يد يوحنا الذي عمدهم معمودية التوبة، فإن الرب يسوع اعترف أمام يوحنا بخطايا البشرية التي وضعت على عاتقه بارادته، ولذلك دعاه يوحنا بعدئذ حمل اللّه الرافع خطايا العالم (يو 1: 29). وبعماده قدس الرب الماء، إذ لامس جسده الطاهر، كما كمل يوحنا أيضاً البر بخضوعه وطاعته للمسيح وتعميده اياه، وكرم الآب ابنه الوحيد لتواضعه. ففيما هو يصلي بعد خروجه من الماء انفتحت السموات وهبط الروح القدس عليه بهيئة جسمية مثل حمامة، وإذا بصوت من السماء سمعه كل الحاضرين قائلاً ليسوع: «أنت ابني الحبيب الذي به سررت» (مر 1: 11).

لقد انفتحت السموات التي كانت مغلقة في وجه الإنسان منذ سقوطه في وهدة الخطية، انفتحت أمام حمل اللّه المخلص الذي قدم بعدئذ ذاته لأبيه السماوي ذبيحة كفارية عن العالم فتمت على يديه المصالحة بين اللّه والإنسان(2كو 5: 19).
وإن هبوط الروح عليه كان أيضاً ليتعرف عليه يوحنا الذي قال بعدئذ: «وأنا لم أكن أعرفه لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء هو قال لي: ان الذي ترى الروح ينزل ويستقر عليه هو الذي يعمد بالروح القدس، وأنا عاينت وشهدت أن هذا هو ابن الله»(يو 1: 33 و34). فلم يكن المسيح بحاجة إلى أن يحل عليه الروح القدس، فهو مملوء نعمة وحقاً كما قال عنه يوحنا الرسول، بل هو الذي تجسد من الروح القدس ومن العذراء مريم، ولكن ظهور الروح القدس عند العماد بهيئة جسمية مثل حمامة كان لكي يميزه من بين الجمهور، وليذكرنا بما جاء في سفر التكوين القائل: «وكان روح اللّه يَرُفُّ على وجه المياه» (تك 1: 2).

أجل لقد ظهر الثالوث الأقدس لأول مرة في التاريخ، أمام الجماهير، في حادثة عماد الرب يسوع. ولذلك ندعو هذا العيد عيد الدنح «دنحو» أي الظهور والضياء والنور والبهاء، فالابن قد خرج من الماء بعد أن اعتمد من يوحنا، والروح هبط عليه من السماء بهيئة جسمية مثل حمامة، والآب نادى مخاطباً الابن من السماء قائلاً: «أنت هو ابني الحبيب الذي به سررت». وبعماده أسس الرب سر المعمودية، الذي جعله باباً للدخول إلى ملكوت اللّه على الأرض، ونيل المؤمنين المعمدين نعم التبرير والتقديس والتبني، وبصيرورتهم بنين بالنعمة فهم ورثة بالمسيح لملكوته السماوي.

وتتم المعمودية عادة باسم الثالوث الأقدس، كما رسم ذلك الرب يسوع ذاته، إذ أوصى تلاميذه قائلاً: «… فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والأبن والروح لقدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به» (مت 28: 19 و20). وفي بدء طقس المعمودية، يعلن المؤمنون صورة إيمانهم، معترفين بالثالوث الأقدس الإله الواحد. فالوحي الإلهي الذي أعلن لنا منذ البدء، أن اللّه واحد، هو ذاته أعلن لنا أن هذا الواحد بالجوهر، هو ثلاثة أقانيم متساوية بالجوهر، وأن المسيح هو الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس ويدعى ابن اللّه الوحيد.

أجل، لقد أرسل اللّه يوحنا المعمدان ليهيئ الطريق أما الرب يسوع ابن اللّه الوحيد، وتنبأ أشعياء عن يوحنا بقوله: «صوت صارخ في البرية، أعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة» (مت 3: 3). وكان يوحنا يكرز في برية اليهودية قائلاً: «توبوا لأنه قد اقترب ملكوت اللّه»، وكان الملاك جبرائيل يوم بشر أباه زكريا أن امرأته اليصابات ستلد له ابناً وتسميه يوحنا، قد وضّح رسالته بقوله: «لأنه يكون عظيماً أمام الرب وخمراً ومسكراً لايشرب، ومن بطن أمه يمتلئ بالروح القدس، ويرد كثيرين من بني اسرائيل إلى الرب إلههم، ويتقدم أمامه بروح ايليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء والعصاة إلى فكر الابرار لكي يهيئ للرب شعباً مستعداً (لو 1: 10 ـ 17). وقام يوحنا برسالته خير قيام، وهيأ الشعب ليتوب ويعود إلى الله، ليستعد للعماد بالروح القدس ونار على يد ماشيحا المنتظر يسوع المسيح، الذي دعاه يوحنا «ابن اللّه» (يو 1: 37) هذه الحقيقة الإلهية التي كان الملاك جبرائيل قد أعلنها إلى العذراء مريم يوم بشرها بالحبل الإلهي بقوله: «وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً، وتسمينه يسوع، وهذا يكون عظيماً وابن العلي يدعى.. أجاب الملاك وقال لها: الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله»(لو 1: 31 و35).

لقد أدرك الرسل الأطهار والتلاميذ الأبرار فحوى هذه العقيدة السامية بوضوح، وآمنوا ببنوة المسيح للّه الآب. فهامة الرسل بطرس قال للرب يسوع: «أنت هو المسيح ابن اللّه الحي» (مت 16: 16). ومرقس البشير تلميذ بطرس، يبدأ الإنجيل الذي كتبه بقوله: «بدء إنجيل يسوع المسيح ابن اللّه» (مر 1: 1). والرسول يوحنا بعد أن يبدأ انجيله بتسمية المسيح «الكلمة» الذي كان في البدء، يقول: «والكلمة صار جسداً وحلَّ فينا، ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب، مملوءاً نعمة وحقاً»(يو 1: 14). وفي ختام إنجيله يقول: «أما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن اللّه ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه»(يو 20: 31). وها نحن لانعترف بأية جماعة بأنها كنيسة مسيحية، ما لم يعترف أتباعها بان المسيح هو ابن اللّه الوحيد، و بحسب تعبير دستور الإيمان النيقاوي (325م) «إن المسيح مولود من الآب قبل كل الدهور، وهو نور من نور، إله حق من إله حق، وهو مساوٍ للآب في الجوهر…».

والمسيح ابن اللّه الأزلي، قد أعطانا أن نصير أولاداً للّه بالنعمة، بعد أن نولد من جرن المعمودية ميلاداً ثانياً من السماء، الأمر الذي وضحه الرب يسوع لنيقوديموس بقوله: الحق الحق أقول لك: «إن كان احد لا يولد من فوق لايقدر أن يرث ملكوت الله… الحق الحق أقول لك: إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لايقدر أن يدخل ملكوت الله»(يو 3: 3 و5). لذلك أوصى الرب تلاميذه قائلاً: «اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالانجيل للخليقة كلها. من آمن واعتمد، خلص، ومن لم يؤمن، يدن»(مر 16: 15 و16). إذن سر المعمودية ضروري للخلاص، ولذلك تسلمت الكنيسة من الرسل الأطهار والآباء القدامى الأبرار، ان تعمد الأطفال بناء على إيمان آبائهم خوفاً من أن يدركهم الموت في مرحلة الطفولة، وبذلك يخسرون ملكوت الله. وبهذا الموضوع يقول الرسول يوحنا: «أما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه، الذين ولدوا ليس من دم ولامن مشيئة جسدٍ ولا من مشيئة رجلٍ بل من الله» (يو1 :12 و13).

فنحن جميعاً اسرة واحدة، ولدنا من أم واحدة هي المعمودية، التي أسسها الرب يسوع يوم اعتمد من يوحنا، كما ارتأى بعض آبائنا السريان. والمعمودية ترمز إلى موت المسيح ودفنه وقيامته، والرسول بولس يقول بهذا الصدد: «فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من بين الاموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة»(رو 6: 4).
ولذلك نحن السريان نعمد المؤمنين بتغطيسهم في جرن المعمودية ثلاثاً. وهكذا يرمز إلى دفن المعتمد مع المسيح، وإن إخراجه من جرن المعمودية يرمز إلى قيامته مع المسيح. وهكذا يدفن المعمَّدون مع المسيح ليقوموا معه في حياة جديدة.

وإننا لنؤمن إن ما جرى على نهر الاردن، عندما اعتمد الرب يسوع، يجري بصورة غير منظورة وغير مسموعة لأي مؤمن عندما يعتمد باسم الثالوث الأقدس على يد كاهن شرعي، وحتى للأطفال الذين يعمدون بناء على ايمان آبائهم وأشابينهم. هذا الإيمان هو الاقرار بعقيدة الثالوث الأقدس، التي وإن فاقت إدراك عقولنا البشرية، ولكنها حقيقة ثابتة، شاء اللّه أن يكشف لنا سرها بصورة ملموسة لايتطرق إليها الشك عند عماد الرب يسوع الذي شهدت السماء يوم عماده بحقيقة بنوته الطبيعية لله، كما كررت السماء الشهادة عند تجلي الرب يسوع على الجبل أمام ثلاثة من تلاميذه، حيث جاء صوت الآب قائلاً: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا»(مت 17: 5). فعلينا أن نقرن الإيمان بالأعمال الصالحة فنسمع أي نطيع الرب يسوع ابن اللّه الحي. لأننا بعد أن كنا قد قمنا معه في الحياة الجديدة، وبتعبير آخر، يوصينا الرسول قائلاً: «إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه» (كو 3: 9). كما يقول أيضاً: «لأن كلكم الذين اعتمدتم باالمسيح قد لبستم المسيح، ليس يهودي ولايوناني ليس عبد ولا حر، ليس ذكر وأنثى، لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع» (غل 3: 27 ـ 28). فقد وحدنا المسيح في أسرته الروحية، إذ ولدنا جميعاً من أم واحدة هي المعمودية، ووهبنا أن نكون أعضاء حيَّة في جسده السري المقدس الذي هو الكنيسة.

فلنسلكن كأبناء السماء، سفراء للسماء، ولتكن لغتنا لغة السماء، وأعمالنا أعمال السماء، لنستحق كبنين بالنعمة أن نرث ملكوت السماء. الحالة التي أتمناها لي ولكم بنعمته تعالى، آمين.

* نقلاً عن موقع بطريركيتنا الجليلة

 

986 زيارات

التعليقات مغلقة