فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى 5: 16)
آخر الأخبار

تذكار العذراء مريم لبركة الزرع

بقلم قداسة سيدنا البطريرك المعظم مار إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى

يصادف اليوم تذكار السيّدة العذراء لبركة الزروع، ونحن نؤمن بأن العذراء مريم أم الرب يسوع والدة الإله هي أم الكنيسة وأمّنا جميعاً وهي شفيعة الكنيسة، ولذلك بحسب تعليم آبائنا قد خصّصت الكنيسة أياماً تذكر فيها السيّدة العذراء متشفّعة بها، تذكارها لبركة الزروع، تذكارها لبركة السّنابل وتذكارها لبركة الكروم، العيد الذي تحوّل إلى عيد انتقالها إلى السّماء إلى جانب بقيّة أعيادها ونحن بذلك نتشفّع بها لننال نعمة الرب روحيّاً وجسديّاً. ففي هذا اليوم نسأله تعالى بشفاعتها أن يحفظكم جميعاً أحبائي، إذ اجتمعتم لتنالوا بركة المسيح بشفاعة هذه السيّدة العذراء مريم التي هي أمّنا جميعاً. والآيات المقدّسة التي تُليَت على مسامع بعضكم في بدء القداس تمتّ بصلة إلى موضوع الزرع، فسمعنا الرب كما شهد مرقس يتكلّم بأمثال. كان جالساً في السّفينة في بحر طبريّة وكان الجمهور على الأرض في السّاحل وبدأ يتكلّم بأمثال، لعلّه تطلّع فرأى زارعاً يبذر البِذار، فأشار إليه وقال للسامعين ما ملخّصه كما كتب وشهد الإنجيليّون الثلاثة، متّى ومرقس ولوقا.

قال الرب: خرج الزّارع ليزرع, ونحن نتصوّر أمامنا زارعاً خرج ليزرع يبذر البِذار، بعضه سقط على الطّريق – الطريق التي ضمن الحقل يسير الإنسان في تلك الطريق وأيضاً لبهائم- بعضها سقط على الطريق فجاءت طيور السّماء وأكلته. بعضها سقط على أرض محجرة حجريّة فنبت حالاً لأنه لم يكن له عمق تراب وعندما أشرقت الشّمس أحرقته، والبعض الآخر سقط بين الشّوك، نبت الشّوك وخنقه والبعض الآخر سقط في الأرض الجيّدة فنما وأعطى ثمراً ثلاثين وستين ومائة. هذا ملخّص الكلام الذي نقله لنا الإنجيليون الثلاثة والرب ختم كلامه بقوله: من له أذنان سامعتان فليسمع. وقد فسَّر الرب بعدئذٍ لتلاميذه ونحن نرى أن الرب يسوع في بدء تدبيره الإلهي العلني بالجسد بعد أن اعتمد من يوحنا، وبعد أن جُرِّب في البريَّة وخرج إلى العالم ليعلن التوبة: توبوا فقد اقترب منكم ملكوت الله، كان تعليمه واضحاً جدّاً ولكن أولئك النّاس كانوا يسمعون وكأنهم لم يسمعوا، ويرون وكأنّهم لم يروا لأن قلوبهم كانت قاسية ورقابهم غليظة وصمّوا آذانهم عن سماع التوبيخ من الرب فلم يشاءوا أن يعودا إليه تعالى بالتوبة بعد سنة ونصف تقريباً بدأ يحدّثهم بأمثال. هذه الأمثال من واقع الحياة، لم يحدّثهم بأمثال كما فعل بعض الحكماء على لسان البهائم والحيوانات، بل حدّثهم بأمثال واضحة. خرج الزارع ليزرع، هذا المثل الأوّل الذي ضربه لنا الرب يسوع أنه هو الزّارع كما فسّر المثل، ولا نستغرب، ففي سفر التكوين نرى أن أوّل زارع في الكتاب المقدس هو الله الذي غرس وهيّأ فردوساً، فردوس النعيم للإنسان وجاء المسيح الإله المتجسّد فبدأ يزرع لكن بنوع آخر، يزرع كلمة الله. زرع هذه الكلمة وهي جيّدة جدّاً، والزارع الصّالح وما يزال وقد أعطى سلطاناً للرسل وخلفائهم وكهنة الرب والوعّاظ أن يزرعوا هذه الكلمة على الأرض. لم يكن الزّارع سيّئاً حتى اليوم ولم تكن البذرة غير جيّدة، إنها بذرة كلام الله ولكن العيب هو في الأرض ذاتها. سقط بعض البذار على الطّريق، كثيراً مل يكون هذا فالتقطت تلك البذور طيور السّماء التي قال عنها السيّد المسيح أنها الأبالسة، الشياطين. كثيراً ما نسمع كلام الله، تسقط بذار الكلمة بآذاننا ولكن آذاننا صمّاء لا تهتم بأمور الرّوح فتذهب الكلمة عبثاً. كان بإمكاننا أن نحرث تلك الأرض التي ديسَت من أناس كثيرين ومن البهائم أيضاً لأنها في ضمن الحقل كان بإمكاننا أن نهيئها لتنمو فيها البذرة وتعطي ثمر. شبه الآباء ذلك الطريق بكهنة اليهود والفريسيين وبكل إنسان تسير في نفسه ، في قلبه، في فكره أفكار عديدة وتمتلئ قلوب أولئك الناس من مشاغل الحياة، لا مكان للكلمة، لكلمة الله فيها، إن لم نفرّغ قلبنا ونفسنا من أولئك الناس، من مشاغل الحياة، لا يمكن للكلمة أن تثبت فينا فيأتي إبليس ويخطفها. وسقطت بعض البذار على الأرض المحجرة ـ حجرية ـ كان هناك تراب كثيراً ما يظهر بعضنا كأنهم أتقياء ولكن لهم صورة التقوى ولا يعرفون قوتها تظهر، الأرض وكأنها أرض صالحة للزارعة ولكن البذرة لا تستطيع أن تنبت فيها لأنها أرض حجرية وإذا ما نبتت بسرعة فإن الشمس إذا ما طلعت تحرقها لأنها ليست لها عمق أرض أولئك الناس السطحيون الذين يتقبلون مع كل حال هم أول من يشجع أي مشروع كان، وأول من يهرب من المسؤولية الروحية هؤلاء العاطفيون، والعاطفي يتقلب كالحرباء، الرسول بولس استغل أهل أثينا عندما رآهم يتقبلون ويقبلون كل شيء جديد وبشرهم بالمسيح، ممكن إن هؤلاء الناس أيضاً يحرثون أرضهم وينقونها من الحجارة بالتوبة، بالعمل الجاد والمجد والمواظبة على الصوم والصلاة لتنمو يلك البذار في تلك الأرض المحجرة، أما البذار التي سقطت بين الشوك، هذه البذار بذار الكلمة، كثيراً ما تسقط بين الشوك، عندنا أرض تريد أن تنبت حنطة جيدة وإلى جانب هذا الشوك نريد أن نتمسّك بالمسيح نريد أن نعبد الله بالروح والحق، نريد أن نواظب على الكنيسة، ولكن إلى جانب ذلك هناك الشوك، هناك رغبات الجسد هناك هموم الفقر والغنى في آن واحد كما فسّر المسيح المثل، فالفقير همّه إن يحصل على لقمة العيش ليعيش، وأحياناً عديدة دون اتكال على الله، والغني يهمه أن يملئ خزانته بالمال غير مبال بكلمة الله وأحياناً عديدة يريد أن يجمع الاثنين، الأمرين الرغبتين أن يكون الله، وأن يكون للعالم، ويفاجئ أن الشوك إذا نما رغبات الجسد هموم الغنى والفقر ولا بد أن يخنق كلمة الله في قلب هذا الإنسان، أما الذي سقط في الأرض الجيدة فيعلمنا الرب أن تلك الأرض التي تقبلت تلك البذرة وكانت الأرض جيدة نبتت البذرة فيها بل البذار وأعطت ثماراً ثلاثين وستين ومائة، من له أذنان سامعتان قال الرب ليسمع.

عزائنا ولئن كانت البقاع الثلاث لم تنجح في إعطاء الثمر ولكن البقعة الرابعة أعطت ثمراً كثيراً، عزائنا بذلك أن الرب ينعم علينا بالنعم العظيمة ما لم نتقبل هذه النعم ونتجاوب مع ما يعطينا الرب من مواهب لا يمكن أن تنمو تلك المواهب بل العالم يخنقها وإبليس يخطفها وهي تحترق أيضاً تحت قوة الشمس عندما تشرق.

أحبائي ضرب لنا الرب يسوع هذا المثل ونحن بإمكاننا أن نتعلم منه أننا حتى لو كنا كالطريق أفكارنا وقلوبنا مداسة من الناس بعيدين عن الله حتى لو نما زرع الكلمة مع الشوك بإمكاننا بقوة الله أن نعطي ثمار الروح ولكن لا يكون ذلك إلا بالتوبة والعودة إليه تعالى، من له أذنان سامعتان فليسمع قال الرب.

قيل عن العذراء مريم في الكتاب المقدس أنها كانت تسمع وكانت تحفظ الكلام في قلبها مفتكرة به أي كانت تهذ بناموس الرب ليلاً ونهاراً، من منّا يستطيع أن يقتدي بالعذراء مريم لا يكفي أن نسمع عظة ما في الكنيسة ونخرج خارج الكنيسة وكأننا لم نسمع، إذن في هذه الحال ولئن كانت لنا أذنان سامعتان ولكنهما لم تسمعا، أما إذا اقتدينا بالعذراء مريم التي نفتكر بها، أن نطبقها على حياتنا حينذاك نستحق حقاً الطوبى التي نعطيها للعذراء مريم التي تنبأت عن نفسها أن الأجيال تطوبها. أسأله بشفاعتها أن يبارك زروعنا وأرزاقنا وأن يؤهلنا جميعاً لنكون ممن يسمعون الكلمة، كلمة الله، ويعملون بها لنثمر بذار الروح في قلوبنا ونفوسنا وأفكارنا ونعمته تشملكم دائماً أبداً آمين.

(عن كتاب من بيدر المواعظ ـ المجلد الأول)

* نقلاً عن موقع بطريركيتنا الجليلة

818 زيارات

التعليقات مغلقة