فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى 5: 16)
آخر الأخبار

لمحات من تاريخ النبي يونان وصوم نينوى ـ بقلم قداسة سيدنا البطريرك الكلي الطوبى

شخصية يونان التاريخية:
تعني كلمة يونان في اللغتين السريانية والعبرية، معنى (حمامة). وقد جاء في التلمود أن يونان ابن أرملة صرفة صيدا الذي أقامه إيليا النبي من الموت وهو بحسب الكتاب المقدس ابن أمتّاي من سبط زبولون من بلدة جت حافر الواقعة على بعد ثلاثة أميال من الناصرة، وقد تنبّأ في أيام الملك يربعام الثاني ابن يؤاش. وحوالي عام 862ق.م دعي من اللّه للذهاب إلى نينوى والمناداة عليها بالتوبة.

سفر يونان:
هو سفر تاريخي كتبه يونان نفسه على الأرجح، وقد وضع في عداد الأسفار النبوية لأن ما ورد فيه يرمز إلى أمور مستقبلية وخاصة قيامة السيد المسيح. ويتضمّن هذا السفر: دعوة اللّه ليونان بقوله: «قم اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة وناد عليها لأنه قد صعد شرّهم أمامي».
وتقع نينوى على الضفة الشرقية من نهر دجلة في شمال العراق وهي اليوم ضمن مدينة الموصل. وكانت قديماً عاصمة الامبراطورية الآشورية، ويصفها سفر يونان بأنها مدينة عظيمة. محيطها نحو ستين ميلاً. وقد أثبتت الاكتشافات الحديثة اتّساعها، واشتهرت بالعلم والفن وحياة البذخ وتمرّغ أهلها بالآثام وكانوا يعدون بالآلاف.

عصيان النبي يونان:
اتّصف يونان بالعنصرية البغيضة كأغلب قومه، ولذلك عصى أمر اللّه تعالى ولم يشأ أن يذهب إلى نينوى وينادي عليها بالتوبة، لئلا تتوب إلى اللّه فيعفو اللّه عنها، ويونان يتمنّى إبادتها لأن سكّانها كانوا أعداء شعبه. لذلك هرب من أمام وجه اللّه، ونزل إلى يافا، وأخذ سفينة كانت متّجهة إلى ترشيش. ولكن اللّه كان له بالمرصاد فهيّج البحر، وكادت السفينة التي تقلّه أن تغرق، أما هو فنزل إلى قاعها واضطجع ونام نوماً ثقيلاً، ممثلاً الخاطئ الذي يصرّ على الخطيئة فيموت ضميره ولا يشعر بتأنيب، فأيقظه ملاحو السفينة وركّابها ليصلي إلى إلهه كما صلّوا هم إلى آلهتهم، لعلّهم يُرحمون ويهدأ البحر فيخلصون. ثم اقترعوا ليعلموا بسبب مَنْ حلّت بهم تلك البلية، فوقعت القرعة على يونان، فاعترف يونان بذنبه وقال لهم: «خذوني وألقوني في البحر فيسكن البحر عنكم فإني عالم أن هذه الزوبعة إنّما حلّت بكم بسببي» ولسان حاله يقول لربه: «إلى أين أهرب من وجهك، وإلى أين أذهب من روحك، إن صعدت إلى السماء فأنت هناك وإن اتّخذت لي أجنحة وأقمتها لأسكن في أواخر البحر فإن يدك تهديني ويمينك تمسكني». وكان ربان السفينة وركّابها من الوثنيين الذي لم يعرفوا الإله الحقيقي ومع هذا عرفوا قيمة الإنسان، ولم يشاؤوا أن يهلكوا يونان، بعكس يونان الذي عرف الإله الحقيقي ولكنه هرب من أمام وجهه ولم يشأ أن يذهب إلى نينوى وينادي عليها بالتوبة لئلا تنجح خدمته فيخلص أهل نينوى من الهلاك وهو يريد لهم الهلاك. فتأمّل!… وألقى الملاحون الأمتعة إلى البحر لعلّهم يخلصون السفينة من الغرق ولكن بدون جدوى لأن البحر كان هائجاً جداً والعاصفة هوجاء، وكادت السفينة تتحطّم. فاضطروا أخيراً إلى أن يلقوا يونان في البحر حسب طلبه فهدأ هيجان العاصفة حالاً.

يونان في جوف الحوت:
وهيّأ الرب حوتاً كبيراً ابتلع يونان حياً. لقد أمر الرب الحوت بابتلاع يونان ولكنه منعه عن أكله فصار الحوت بمثابة (غواصة) نقلته من مكان إلى آخر، بل حفظته من التهلكة في قعر البحر. فظلّ في جوف الحوت ثلاثة أيامٍ وثلاث ليالٍ، وبقاؤه حياً طوال هذه المدّة في جوف الحوت يعتبر معجزة كسائر المعجزات التي لا تفسر بقواعد طبيعية وصلّى يونان في جوف الحوت إلى الرب الإله، فأمر الرب الحوت فألقى يونان إلى البر، إلى الأرض اليابسة.

يونان في نينوى:
وأصدر الرب أمره ليونان قائلاً: «قم انطلق إلى نينوى وناد بالتوبة، فلبّى يونان الدعوة وانطلق إلى نينوى وأنبأ سكّانها بأنّها ستخرب في مدة أربعين يوماً، ما لم يتوبوا، فأصغوا إليه وآمنوا بكرازته وفرضوا صوماً عاماً للكبار والصغار حتى البهائم، ولبسوا المسوح وجلسوا على الرماد تائبين نائحين مصلّين فصفح اللّه عنهم.

استياء يونان:
اغتاظ يونان بسبب نجاة نينوى من الهلاك وحسب أن اللّه قد كذّبه في عيون أهلها، وصلّى إلى الرب قائلاً: «آه يا رب أليس كلامي إذ كنت بعد في أرضي، لذلك بادرت إلى الهرب إلى ترشيش، لأني علمت أنك إله رؤوف ورحيم بطيء الغضب وكثير الرحمة ونادم على الشر» وهذه الكلمات تعتبر مفتاح سفر يونان، وتبين لنا خوف يونان على كرامته الذاتية وكرامة قومه وكبريائه وعنصريته البغيضة وهي الأمور التي ساقته إلى التمرّد على الرب إلهه. واغتمّ غماً شديداً واغتاظ كل الغيظ لأن نينوى نجت من الهلاك. لعله خاف أن ينتقل اللّه إلى قوم غير قومه وكأن نعمة اللّه خاصة بأمة ولا تكفي لأمم الأرض كلها؟!

توبيخ الرب ليونان:
وخرج يونان إلى شرقي المدينة وصنع له مظلة، وجلس تحتها في الظل، وأنبت الرب يقطينة سرعان ما نمت وارتفعت وظللت يونان من حر الشمس، ففرح بها، ثم أعد الرب دودة فضربتها عند طلوع الفجر فيبست، فحزن يونان لما ضربته أشعة الشمس، واشتهى الموت لنفسه، وكأني به يقول في سره: «إن كان لا بدّ أن تحيا نينوى فدعني أموت!. فوبّخه الرب بقوله: هل اغتظت بصواب من أجل اليقطينة فقال اغتظت بصواب حتى الموت. فقال الرب أنت أشفقت على اليقطينة التي لم تتعب فيها… أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي يوجد فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم وبهائم كثيرة؟».

حقيقة قصة يونان:
يشهد السيد المسيح بصحة قصة يونان العجيبة ويعلن أن يونان كان آية لأهل نينوى وما جرى له هو رمز لموت السيد المسيح وقيامته فيقول الرب: «جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إلاّ آية يونان النبي، لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ. رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان. وهوذا أعظم من يونان ههنا»، «لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى كذلك يكون ابن الإنسان أيضاً لهذا الجيل».

صوم نينوى:
اقتداء بأهل نينوى في توبتهم النصوح، وصومهم الحقيقي المقبول، وصلاتهم الطاهرة، الأمور التي استنزلت عليهم مراحم الرب فعفا عنهم، وتغمد ذنوبهم فقد فرضت الكنيسة على المؤمنين صوماً يعتبر من الأصوام المحببة إلى نفوسهم ويدعى صوم نينوى أو (الباعوثة) وهذه كلمة سريانية تعني الطلبة والتضرّع. ويبدأ صوم نينوى عندنا يوم الاثنين من الأسبوع الثالث السابق للصوم الأربعيني، وهو اليوم ثلاثة أيام، نصومها إما انقطاعاً عن الطعام والشراب من فجر الاثنين وحتى مساء الأربعاء أو نتناول طعاماً صيامياً وجبة واحدة في اليوم مساءً أو وجبتين ظهراً ومساءً.
وهذا الصوم قديم جداً في الكنيسة السريانية يستدل على ذلك من ميامر مار أفرام السرياني (ت 373) في وصفه. وكان في بادئ الأمر ستة أيام وكان يفرض على المؤمنين في وقت الشدة فقط ثم أصبح ثلاثة أيام تصام سنوياً. ذلك أنه في القرن السادس أصاب الناس في بلاد فارس والعراق وخاصة منطقة نينوى مرض وبيل يسمى (الشرعوط) وهذه لفظة سريانية معناها الطاعون أو الوباء، وعلامته ظهور ثلاث نقط سوداء في كف الإنسان حالما ينظر إليها يموت. فخلت مدن وقرى كثيرة من الناس، واكترى كسرى أنوشروان رجالاً لدفن الموتى. ففرض رعاة الكنائس في المشرق على المؤمنين صوماً لمدة ثلاثة أيام ونادوا باعتكاف، وتوبة نصوح نسجاً على منوال أهل نينوى وسمي صوم نينوى لأن المؤمنين الذين صاموه أولاً كانوا يقطنون في أطراف نينوى.
ويذكر علامتنا مار ديونيسيوس ابن الصليبي (ت 1171) في كتابه أوروعوثو (المجادلات) أن واضع صوم نينوى هو القديس مار ماروثا مفريان تكريت (ت 649) وانتشر في الكنيسة السريانية شرقاً وغرباً. وقد أخذته الكنيسة القبطية عنها على عهد الأنبا أبرام بن زرعة السرياني الثاني والستين من عدد باباوات الاسكندرية الذي جلس على كرسي الاسكندرية سنة 968م كما اقتبسته الكنيسة الأرمنية وغيرها.

دروس وعبر:
يتضمن سفر يونان درساً قيّماً للإنسان في كل العصور، فمنه نعلم أن اللّه تعالى هو إله البشر كافة وأنه لم يدع نفسه بدون شاهد حتى لدى الأمم التي كانت بعيدة عن ينابيع الشريعة الإلهية المكتوبة، فهذه الأمم لم تخرج عن دائرة العناية الربانية والرعاية الإلهية وقد أعطاها ناموس الضمير، وصار لها بعدئذ نصيب في الميراث بابنه الحبيب ربنا يسوع المسيح. لأن اللّه، «يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون». لأنه إله رحيم. ورسالة الخلاص هذه حملها تلاميذ الرب إلى العالم أجمع وبها استطاعوا أن يدحروا العنصرية اليهودية البغيضة، وينفتحوا على العالم بنور المسيح، ويفتحوا أبواب الملكوت، فجاءت الأمم من المشارق والمغارب واتّكأوا في أحضان ابراهيم، أما بنو الملكوت فطرحوا إلى الظلمة الخارجية…
وإن أهل نينوى بصومهم وتوبتهم أعطوا الكنيسة مثالاً ففرضت الصوم على المؤمنين في وقت الشدة. ليعودوا إلى الرب نادمين تائبين ويتركوا الشرور، ويمزقوا قلوبهم لا ثيابهم، وليأخذوا لحياتهم من حياة النبي يونان دروساً خالدة، وعبراً قيمة، فلا يهربون من حمل رسالة يريدهم اللّه أن يحملوها مهما كانت ثقيلة كما فعل يونان، ولا يحزنون إذا ما رأوا الخطاة عائدين إلى اللّه بالتوبة كما اغتمّ يونان، بل أن يسعوا لخلاص نفوسهم وخلاص الناس كل الناس، مهما كان لونهم ولغتهم، وقوميتهم، وعقيدتهم الدينية، وليبتهجوا مع ملائكة السماء بخاطئ واحد يتوب. وإلاّ فإن رجال نينوى سيقومون في الدين معهم ويدينونهم لأنهم تابوا بمناداة يونان وها هو المسيح يسوع أعظم من يونان بل هو رب يونان، وهو الطبيب السماوي الذي «لم يأتِ ليدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة» فلنسمع صوته الإلهي ولنطِعْه فهو لا يزال ينادي ويقول: «قد كمل الزمان واقترب ملكوت اللّه. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل».

* نقلاً عن موقع بطريركيتنا الجليلة

902 زيارات

التعليقات مغلقة