فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (متى 5: 16)
آخر الأخبار

الأحد الثالث من الصوم: شـــفـاء الـمـفـلــوج

القراءات:
قراءة من سفر الخروج (8: 15ـ 32)
قراءة من سفر الأمثال (10: 1ـ 26)
من أعمال الرسل الأطهار (3: 1ـ 10)
من رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس (5: 3ـ 21)
الإنجيل المقدس بحسب البشير لوقا (5: 17ـ 26)
الإنجيل المقدس بحسب الرسول يوحنا (5: 1ـ 18)

بقلم قداسة سيدنا البطريرك المعظم مار إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى

«فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج: يا بني مغفورة لك خطاياك» (متى 2: 5)

«مغفورة لك خطاياك» طوبى للمفلوج الذي استحق أن يستمع من فم الرب يسوع هذه العبارة المقدسة، وقد أجاد صاحب المزامير بقوله: «طوبى للذي غفر إثمه وسترت خطيته… ولا يحسب له الرب خطيته» (مز 32: 1و2). أجل، طوبى لذلك المفلوج الذي قبل الرب توبته كما قبل الأب توبة ابنه الضال الشاطر وأعاد إليه رتبة البنين فنال العزاء بمغفرة خطاياه. ذلك أن الخطية تقض على الخاطئ مضجعه، وتعذّب ضميره وتقلقه وتربكه، ويستولي عليه الخوف والفزع وتصيبه الرعدة كلما تذكّر يوم الدين والعذاب الأبدي الأليم، وهو مضطرب الجنان يتوقع العقاب الصارم في كل آن.

هذه هي حالة الخاطئ الذي في غربته عن اللّه يمثّله الابن الضال الذي أخذ من أبيه حصته من الميراث وبدد المال في التمرّغ بالشهوات في دار الغربة وجاع وأخذ ينافس الخنازير في أكل الخرنوب، ويرى ما هو عليه من شقاء ويزيده بؤساً تذكره ما كان عليه من سعادة وهناء يوم كان في دار أبيه. وما لم يقتدِ الخاطئ بالابن الشاطر، بالتأمل بماضيه السعيد وحاضره التعيس ويندم على ما فعله من آثام ويقول في نفسه: أقوم الآن وأذهب إلى أبي… يبقى شقياً معذب الضمير لأنه قد عزل نفسه عن اللّه، وبهذا الصدد يقول النبي أشعياء: «آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم»(أش 59: 2) «والخطية إذا كملت تنتج موتاً»(يع 1: 15) و«الخطية خاطئة جداً»(رو 7: 13) حتى أنها أنزلت ابن اللّه من السماء رحمة منه ومحبة للبشر، لينقذ الإنسان من الموت والشيطان والخطية وليفتح لنا باب التوبة لمغفرة الخطايا الشخصية. فلا نستغرب إذاً إذا ما تطلعنا إلى ذلك المفلوج بعد أن استمع قول الرب يسوع: «يا بني مغفورة لك خطاياك» نراه وقد هشّ وبشّ وانبسطت أسارير وجهه وابتهج، وكأني به قد ألقى عن كاهله عبئاً ثقيلاً، وقوي إيمانه بالرب يسوع، فاحص القلوب والكلى الذي عرف أن الخطية في حالته كانت سبب البلية وتضاعف رجاؤه بنيل شفاء الجسد بعد أن نال شفاء النفس. وهكذا عندما يغفر اللّه خطايا الإنسان التائب ويتغمّد آثامه، تعود صلة البنوة والأبوة ما بين هذا الخاطئ التائب وبين الآب السماوي.

هلمّ الآن أحبائي نتتبّع مجريات إعجوبة شفاء المفلوج كما وردت في الإنجيل المقدس: كان الرب يسوع في كفرناحوم، التي اعتبرت وطنه، وكان في البيت الكبير الرحب الذي كان عادة يحلّ فيه. ولعلّه كان بيت حماة بطرس. وسمع الناس أنه هناك فجاءوا إليه زرافات ووحدانا. وكانوا من شرائح مختلفة وطبقات متعددة، من الأصدقاء والأعداء. وكان يكلّمهم بكلمة اللّه ويبذر بذار الإنجيل. العديد منهم قد جاءوا ليستمعوا إلى الكلمة وينالوا الخلاص، وآخرون كانت قلوبهم قُدّت من حجر فلم تقوَ بذرة كلمة الحياة على اختراق جدارها فجاءت الأبالسة واختطفتها. وكان العديد ممن احتاط بيسوع قد جاءوا أيضاً لينالوا الشفاء، كانوا مرضى نفساً وجسداً فالمؤمنون منهم نالوا مرادهم. وكان هناك كتبة، وكان هؤلاء قد أقاموا من أنفسهم رقباء على الرب يسوع يهمّهم بالاجتماع إليه أن يصطادوه بكلمة. إنهم أناس لا يرون في الكون إلا أنفسهم. فقد تلبّستهم الأنانية والعجرفة والكبرياء فصبّ عليهم الرب وعلى الفريسيين كافة جامات الويل والثبور وعظائم الأمور. فقد جاءوا إليه ليوقعوه في شركهم، وبذلك يركمون على خطاياهم القديمة خطايا جديدة. وقد باءوا بالفشل الذريع.

وكان الرب يجترح المعجزات رحمة بالبشر. وكان أغلب المرضى يقصدونه بإيمان، قادمين من كل فج عميق، وجاء أربعة رجال حاملين مفلوجاً كان لسنين طويلة قد قبع في عقر داره، وقد يئس من الحياة. لم نكن ندري ما كان سبب إصابته بهذا المرض العضال. حمله أصدقاء أربعة، وما أحلى أن يكون للإنسان أصدقاء صادقون. حملوه ليأتوا به إلى يسوع، ثقة منهم بأن المسيح يستطيع أن ينعم عليه بالشفاء. جاءوا به وقد عمر قلوبهم الإيمان والرجاء والمحبة واثقين من حنان الرب يسوع ورحمته. جاءوا فرأوا الجمهور الغفير، وقد ملأ حتى ما حول الباب لذلك لم يستطيعوا أن يدخلوا المفلوج أمام يسوع. رفعوا السقف الخشبي، ثقبوه، دلّوا السرير أمام يسوع، يقول الإنجيل المقدس: «فلما رأى إيمانهم» المتين الثخين الذي دفعهم إلى أن يجدوا وسيلة ليقدّموا بوساطتها صديقهم إلى المسيح، بل ربما رأى إيمان المفلوج أيضاً، لا بدّ أن هذا الإنسان قد سمع عن الرب يسوع الذي كان يتردد كثيراً على كفرناحوم وقد اجترح فيها معجزات باهرات. أجل، رأى يسوع إيمانهم ورأى إيمان المفلوج وما كان عليه من حال التوبة النصوح والرغبة إلى العودة إلى اللّه والندامة التامة على ما ارتكبه من خطايا لذلك استحق أن يسمع قول الرب: «يا بني مغفورة لك خطاياك». ومن هذا القول علمنا أن الخطية في حالة ذلك المفلوج كانت السبب الأصلي لما أصابه من بلية. وكان هناك قوم من الكتبة جالسين يفكّرون في قلوبهم: لماذا يتكلّم هذا هكذا بتجاديف؟ من يقدر أن يغفر خطايا إلاّ اللّه وحده. ولم يجرؤوا أن ينبسوا ببنت شفة، وللوقت شعر الرب بروحه أنهم يفكّرون هكذا في أنفسهم، فوبّخهم على سوء نيتهم قائلاً لهم: لماذا تفكرون بهذا في قلوبكم. أيهما أيسر ان يقال مغفورة لك خطاياك أم أن يقال قم احمل سريرك وامشِ. ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا قال للمفلوج: لك أقول قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك. فقام للوقت وحمل السرير وخرج قدام الجمهور حتى بهت الجميع ومجّدوا اللّه قائلين ما رأينا مثل هذا قط (مر 2: 1 ـ 12). هكذا برهن الرب يسوع أنه الإله المتجسّد، وعلى حدّ قول الرسول بولس أنه «اللّه ظهر بالجسد» (1تيم 3: 16) وله إذن وحده السلطان على مغفرة الخطايا.

أيها الأحباء:
إن العديد من المؤمنين بالرب يسوع تساورهم أحياناً الشكوك بألوهته لأنهم لا يرونه بعين الإيمان أنه ليس مجرد إنسان وهو ليس كموسى وسائر الأنبياء وله وحده إذن السلطان على مغفرة الخطايا كما يعلّمنا الإنجيل المقدس لذلك فإن ما نعرفه عنه وما ندركه كبشر هو أقل بكثير مما لا ندركه ولا نعرفه. عندما نسكب نفوسنا أمام اللّه بتواضع نسلّم بإيمان بدستور الإيمان النيقاوي ونقبل كل الحقائق الإلهية العقيدية والمبادئ المسيحية السامية ببساطة القلب والفكر ونتمسّك بالرب يسوع ولا ندع الشكوك أن تساور قلوبنا وعقولنا ولا نسمح للمشككين أن ينزلوا بنا إلى درك الخطية وعدم الثقة بالمسيح يسوع ربنا، حينذاك ننال مغفرة الخطايا، حينذاك نثق بأن بإيمان ورجاء ومحبة نحمل جميع الذين أصيبوا بمرض الفالج الروحي العضال من أصدقائنا وأقربائنا، ونأتي بهم أمام الرب يسوع لينالوا مغفرة الخطايا والشفاء التام من جميع الأمراض الروحية والجسدية. أجل، إن المفلوجين روحياً قد ازداد عددهم كثيراً في جيلنا هذا الفاسق الخاطئ، والروح قد حادت عن الحق وصارت بعيدة عن اللّه، لقد شُلّت أعضاء الروح إن صحّ هذا التعبير قبل أن تشلّ أعضاء الجسد والمسيح حي. فأين إيماننا وأين رجاؤنا بل أين محبتنا له وللقريب؟ هل لنا ثقة بأن باستطاعة المسيح أن يشفي أولئك ويشفي أنفسنا أيضاً وقد تلبستها أمراض الخطايا، لنأتِ إذن إلى الرب يسوع كما أتى إليه أولئك الأربعة، ولنقتدِ بهم بالصلاة إليه كي يشفي نفوسنا المريضة ونفوس أصدقائنا وأقربائنا وكل من يمتّ إلينا بصلة، تلك النفوس التي قد أصابها فالج اللامبالاة، فلا صوم ولا صلاة، ولا توزيع صدقات. ولا بد في أعجوبة شفاء المخلّع أن نلاحظ شفاعتهم له عند الرب يسوع، لقد رأى الرب يسوع إيمانهم. نقول أن ذلك المفلوج كان مؤمناً وقد لا يكون مؤمناً ولكن المسيح رأى إيمانهم أي رأى إيمان الأربعة. فالرب يسوع إذن يقبل شفاعة المؤمنين ويشفي من يشاء من مرضى الروح والجسد ويغفر الآثام الكثيرة. فلنقدّم إليه الصلوات الحارة بإيمان ورجاء ومحبة والدعاء المستمر لأجل أنفسنا ولأجل الآخرين. ألم يحدث لنا أن كنا في ضيق أو في مرض أو ألم وفجأة تنفرج عنا هذه الشدة، ذلك أن أناساً مؤمنين كانوا قد جثوا أمام الرب وطلبوا إليه بالصلاة الحارة لينقذنا، وقبل الرب شفاعتهم. أو أن القديسين الذين علينا أن نقتدي بسيرتهم والذين تتنعم أرواحهم الآن في فردوس النعيم مع المسيح يشفعون فينا لننال شفاء النفس والجسد.

أحبائي إننا بالتأمل بأعجوبة شفاء المفلوج، نشعر بأن علينا أن نأتي إلى الرب يسوع، حالاً، ولئن كانت أسمالنا بالية وخطايانا كثيرة، فلا نيأس ونقطع رجاءنا برحمته بل لنسرع إلى المجيء إليه بالتوبة الصادقة والندامة التامة، كما أن نحمل إليه أعزاءنا المؤمنين المفلوجين روحياً. لنسمع منه جميعاً قوله العذب: يا أبنائي مغفورة لكم خطاياكم، فننال الشفاء نفساً وجسداً، الحالة التي أتمناها لي ولكم بنعمته تعالى أمين.

* نقلاً عن موقع بطريركيتتا الجليلة

882 زيارات

التعليقات مغلقة